حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

عبد الله ضريبينة –

في ظل التحوّلات السياسية والاقتصادية التي تعرفها البلاد، يطفو من جديد ملف نهب المال العام، وهي القضية التي لم تعد خفية أو محصورة في الكواليس، بل باتت مشهداً يوميًا يتابعه الرأي العام بمرارة وقلق بالغ. فالنخبة السياسية، التي يُفترض أن تكون حامية للمصلحة العامة، أصبحت في كثير من الحالات خصمًا مباشراً لها، من خلال سلوكيات لا تمتّ للأخلاق السياسية ولا للمسؤولية الوطنية بصلة.

لم يعد الحديث عن الفساد المالي والسياسي مجرّد اتهامات عابرة، بل صار موثقًا بتقارير رسمية، وتحقيقات إعلامية، وأرقام صادمة تكشف حجم التلاعب بمقدرات الوطن. مشاريع تنموية متعثرة، وصفقات عمومية مشبوهة، وتبذير فاحش في ميزانيات المؤسسات العمومية، كلها مؤشرات على عمق الأزمة التي نعيشها.

ورغم أن هذه التجاوزات تتمّ في كثير من الأحيان أمام أنظار المواطنين، بل وأحيانًا بتواطؤ بعض الجهات الرقابية، إلا أن الوضع لم يعد يحتمل المزيد من التراخي. فاستمرار هذا النزيف المالي لا يهدّد فقط الاقتصاد الوطني، بل يهزّ ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، ويعمّق الإحساس بالظلم وغياب العدالة.

أمام هذا الواقع المقلق، تبرز الحاجة الملحّة إلى تدخل صارم من طرف الجهات القضائية والهيئات الرقابية، لتفعيل مبدأ “من أين لك هذا؟” ومحاسبة كل من يثبت تورّطه في تبديد المال العام، بغض النظر عن منصبه أو انتمائه السياسي. فالمحاسبة ليست استهدافًا سياسيًا، بل ضرورة دستورية وأخلاقية لضمان الشفافية وحماية مقدّرات الوطن.

كما أن الرهان اليوم لم يعد فقط على التشريعات، بل على تفعيلها بصرامة، ومواكبتها بإرادة سياسية قوية لا تساوم في قضايا الفساد. فالديمقراطية الحقة لا تكتمل إلا بمحاسبة عادلة، ولا تزدهر إلا في بيئة تحترم القانون وتقدّس المال العام.

لقد آن الأوان لطيّ صفحة الإفلات من العقاب، وفتح صفحة جديدة عنوانها: لا أحد فوق القانون. فبدون ذلك، سنظل ندور في حلقة مفرغة، تؤدّي بنا إلى مزيد من التراجع، والانهيار المؤسسي، واحتقان اجتماعي قد يصعب احتواؤه.