حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

نص البلاغ : 

الحمد لله القائل في محكم التنزيل { إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} والقائل في محكم التنزيل {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} والصلاة والسلام على رسول الله القائل “ تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ” والقائل “ فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، عضوا عليها بالنواجذ ” وبعد :

فقد ذهلت الرابطة لما اطلعت عليه من تعديلات صرح بها وزير الأوقاف والشؤون اﻹسلامية زاعما صدورها عن المجلس العلمي اﻷعلى في المغرب ، والتي تضمنت مخالفات صريحة للمجمع عليه من شريعة رب العالمين ، في مخالفة صريحة لما أعلنه الملك محمد السادس حفظه الله من حد واضح للاجتهاد المطلوب ، الذي لا يمس ثوابت الدين وإجماعات الفقهاء والمعتمد من مهذب الإمام مالك رحمه الله ، خصوصا في مسائل يعتبر المخالف لها مخالفا ﻹجماع المسلمين ، وقد نص اﻹمام مالك وغيره على أن مخالف اﻹجماع كافر بالاتفاق .

ولذلك فإننا في رابطة علماء المغرب العربي ، نشكك في أن يكون مصدر هذه التعديلات هو المجلس العلمي اﻷعلى ، ولو ثبت ذلك لكان في هذا إسقاط لهذا المجلس من أساسه ، وهدم للأساس الذي بني عليه ، من حماية للإسلام وذود عن أحكامه في المملكة المغربية الشريفة التي قامت عل أساس الإسلام والمذهب المالكي ، والله نسأل أن يعصمنا من مضلات الفتن .

وإننا إذ نصدر هذا البيان بناء على ما تم تداوله في اﻹعلام الرسمي بالمملكة المغربية ، نوضح للناس ما يلي :

1- لا يجوز الخروج عن أحكام الشريعة اﻹسلامية حتى لا يصبح القانون مصادما للشريعة ، وهنا سيضطر الناس إلى اللجوء للإفتاء الشرعي بدل التقاضي إلى المحاكم.

2- إن ما جاء في هذه التعديلات مخالف ﻹجماع المسلمين ، ومن تلك المسائل :

أ- عقد الزواج لا يتم إلا بشهادة شاهدين مسلمين ، وإسقاط هذا الشرط مبطل لأصل النكاح ، فلا ينعقد وإن صدر عن المحاكم ودون في الوثائق ، فالانعقاد الشرعي لا يقع إلا بما أقرته الشريعة اﻹسلامية .

ب- ولاية الأب ثابتة على أبنائه بعد الطلاق وقبله ، وتخويل اﻷم الحاضنة النيابة القانونية ظلم للزوج وحرمان له من حق من حقوقه الثابتة ، لا نعرف في ذلك خلافا بين المسلمين .

ج- ديون الزوجة منفصلة الذمة عن ديون الزوج ، ولا يجوز تحميل أحد الزوجين ديون اﻵخر إلا إن قبل بذلك ، وإلزام أحد الزوجين بدين الآخر واستخلاصه من اﻹرث مخالف لإجماع المسلمين ، وفيه إجحاف كبير بالورثة ، وأولهم أم الزوجة التي هي امرأة أيضا .

د- اعتبار عمل الزوجة المنزلي مساهمة في تنمية أموال الزوج من أجل تقاسم أمواله في حال الطلاق ، قول علماني غربي لم يقل به أحد من الفقهاء ، وهو مخالف ﻷصل الزواج في اﻹسلام.

هـ- إيقاف بيت الزوجية عن الدخول في التركة مخالفة صريحة لكتاب الله ، واقتطاع من أموال الورثة بغير حق ، وظلم لأم الزوج وأخته وسائر ورثته الذين سيحرمون من حقهم في هذا البيت مع أن أمه قد تكون أشد حاجة لهذا البيت من زوجته ، وهو اجتراء على أحكام اﻹرث التي تعد من المحكمات في دين الله.

3- كلنا يعلم أن ما جاء في هذه التعديلات لم ينبع من نقاش فقهي أو اجتماعي ، وإنما هي ضغوط دولية فرضت على المغرب وعلى غيره من البلدان اﻹسلامية ، وأن نتائج هذه التعديلات لن تخدم اﻷسرة ولا المجتمع ولا المرأة نفسها ، بل سيزيد عزوف الشباب عن الزواج ، ويتصاعد الشقاق والنزاع داخل اﻷسرة ، فتكون المرأة أول المتضررين ، وهذا ما ظهر من جراء التعديلات الأولى التي خالفت الشريعة في مسائل أقل من هذه ، فكان ما نراه اليوم من الصدع الكبير.

4- إذا كان اليهود المغاربة يتمتعون بمدونة خاصة بهم ، فإنه لمن المؤسف حقا أن يحرم المسلم من شريعة ربه في بلاده ، ولا ندري لماذا لم يقترح العلماء إيجاد مدونة خاصة بالمذهب المالكي ، يتحاكم إليها من يريد تطبيق شرع الله في نفسه وأهله وأبنائه، بدل إلزامهم بهذه اﻷحكام العلمانية التي لن يقبل بها مسلم.

5- إن التحاكم إلى هذا القانون في -حال تطبيقه- يعتبر من التحاكم إلى الطاغوت الذي حرمه الله عز وجل في كتابه ، وإن أحكامه لن يكون لها النفاذ الشرعي ، فالقانون متى خالف الشريعة بطلت أحكامه ، ولا يجوز للناس التقاضي به ولا قبوله ولا العمل بما جاء فيه ، فالقاضي لا يحل حلالا ولا يحرم حراما.

6- على العلماء اليوم مسؤولية تاريخية تجاه دينهم وشريعة ربهم ، ولا يسعهم اليوم إلا أن يقولوا كلمة الحق ، ﻷن هذه أعراض المسلمين وأموالهم ، فمن سكت عن الحق الذي علمه ، فقد أسقط عقده مع الله عز وجل إذ يقول في كتابه { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ، فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون }.

7- على القضاة والمحامين رفض هذه التعديلات والوقوف في وجهها بكل الوسائل المتاحة ، حتى لا يتحملوا وزر تنفيذ هذه القوانين الجائرة على الناس ، فيكونوا شركاء في الوزر ، وقد رأينا تآزر المحامين في قضاياهم الخاصة ، فتآزرهم في مثل هذه القضايا أهم وأشد، فلا يقبل من القاضي أو المحامي أن يحكم بغير شرع الله بدعوى أنه مجرد موظف ، بل يتحمل الوزر أمام الله عن كل ما ينتج عن هذه اﻷحكام من طلاق وتشتيت للأسر وتدمير للمجتمع.

8- على المجتمع المدني بكل شرائحه أن يقف وقفة صادقة لله ثم للتاريخ ، فإن ثمن هذه الأخطاء يدفعها المجتمع جيلا بعد جيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إن أخطر ما يقع اليوم في بلاد المغرب هو استبعاد المذهب المالكي في أهم مناحي حياة المجتمع ، وإن إزالة الثوابت الاجتماعية مؤذن بزوال ما بعدها من ثوابت أخلاقية ودينية وسياسية، وعليه فإننا نطالب المجتمع المسلم بالرجوع إلى شريعة ربه الغراء ، فهي النجاة من هذه الفتن المدلهمة ، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الأمانة العامة لرابطة علماء المغرب العربي

الأربعاء 23 جمادى الآخرة 1446

الموافق 25 ديسمبر 2024 م