– عبد الله خباز
ما شهدته بعض مدن المملكة خلال الأيام القليلة الماضية لم يكن احتجاجاً حضارياً ولا تعبيراً سلمياً عن الرأي كما قد يظن البعض، بل كان انفلاتاً مؤسفاً خرج عن كل الضوابط الأخلاقية والقانونية. فبدل أن تكون الأصوات وسيلة للتعبير، تحولت الأيدي إلى أدوات تكسير وتخريب، والوجوه التي كان من المفترض أن تعكس غضباً واعياً تحولت إلى وجوه غاضبة لا تعرف سوى لغة الفوضى والدمار.
لقد تابع المغاربة، عبر وسائل الإعلام ومقاطع الفيديو المنتشرة، مشاهد صادمة لأشخاص يعتدون على الممتلكات العامة والخاصة، ويهاجمون القوات العمومية التي وُجدت لحماية الجميع، في تجاوز خطير لكل القيم الإنسانية والوطنية. واليوم، بعد تقديم العشرات من الموقوفين أمام العدالة بتهم ثقيلة، يظل السؤال المؤلم والمشروع قائماً: هل استفقتم الآن؟
هل أدرك أولئك الذين ظنّوا أن الفوضى بطولة، أن القانون لا يرحم من يتجاوز حدوده؟ وهل وعى من انجرفوا وراء شعارات عابرة أن الاعتداء على الوطن، ولو في لحظة طيش، خيانة لقيم الانتماء وولاء الأرض؟ إن الحرية لا تُمارس بالنهب وتخريب الممتلكات والمدارات ومراكز القوات العمومية، ولا بالاعتداء على ممتلكات الدولة والمواطنين، بل تُمارس بالوعي والمسؤولية واحترام القانون.
إن ما حدث يجب أن يكون درساً قاسياً، ليس فقط للموقوفين ومن شارك في أعمال التخريب، بل لكل من يفكر في الخلط بين الاحتجاج المشروع والعنف المرفوض. فالوطن ليس خصماً لأبنائه، ورجال الأمن ليسوا أعداءهم، بل هم درع هذا الوطن وحماته من الفوضى والفتن.
ولعل من أبرز أسباب هذا الانفلات ضعف الوعي الرقمي وانتشار الدعوات المجهولة على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تستغل غضب بعض الشباب وتوجهه نحو مسارات هدامة لا تخدم إلا أعداء الوطن. لذا، فإن المسؤولية اليوم جماعية: أسرٌ تراقب أبناءها، ومدارس تغرس القيم، ومجتمع مدني يواكب الأحداث ويفتح باب الحوار قبل أن يُفتح باب القضاء.
العدالة اليوم تقوم بواجبها، والمحاكم تنظر في الملفات بعين القانون والضمير، والعقوبات التي تنتظر المتورطين ستكون رسالة رادعة لكل من تسول له نفسه العبث بأمن الوطن. أما من أراد أن يُعبّر عن رأيه أو يطالب بحقوقه، فالمغرب بلد المؤسسات والقانون، والباب مفتوح أمام كل من يسلك طريق السلمية والعقل.
إن ما يميز الشعوب الواعية هو قدرتها على التمييز بين الاحتجاج المسؤول والفوضى الهدامة، وبين من يرفع صوته من أجل الإصلاح، ومن يرفع حجراً من أجل التخريب.
