حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

بقلم: حمدي قنديل
كاتب و مفكر مصري

على مسار الحياة و فوق بساط الوجود، تتراكم التجارب و الخبرات، و تتكدس المعارف و المعلومات، و تتجاذب الأفكار و الطموحات، فتنتابنا أحاسيس ومشاعر و خواطر، قد نکتبها بمداد من حبر کي لا يخنقها الجفاء و الصدود، و قد نكتبها بمداد من دم كي تعلو و يعلو بها الحق، فلا يكون سبيله الجحود، و قد نکتب الکلمات تلو الكلمات، غير أننا لا نجد من يعيرها اهتماما إلا من كان يحمل نفس المشاعر و الأحاسيس، غير أنه مهما کتبنا من كتابات، تبقى حتما في دواخلنا خواطر أکثر مما قيل، و قد لا تسعفنا الكلمات للتعبير عما يقال.

على مسار الحياة و فوق بساط الوجود، هناك قلوب مغلقة كالغرف الموصدة أبوابها، لا ندري ما وراءها و نخاف أن نطرقها ، فتنبعث منها آهات الأسى و الشجن، كبراكين لا نستطيع إخمادها، إذ لیس کل بركان هادٸ هو خامد، إنما حممه على درجة من الهيجان لو أتيح لها الانفلات، لأتت على الأخضر و اليابس، و لیس کل قلب شجِن صامت لا یبالي، فوراء ذلك الصمت ألف حکایة و حکایة لا يسع الكون أن يحتمل الافصاح عنها.

على مسار الحياة و فوق بساط الوجود، لا تكْمُن القوة أبدا فيما يكفي لنجتاز الأحزان فقط، إنما القوة في كيفية التعامل مع الحياة بعزيمة و جأش، دون أن تخور عزائمنا أو تيأس شكيمتنا، فالإنسان الصبور هو الذي يحتوي كل أوجاعه بما يكفي، لكي يجعل منها سلما نحو السعادة التي يستحقها، و هو الذي خُيّر بين السماحة و الوقاحة فاختار أن تكون السماحة سلما له في حياته، حتى لا يركب الوقاحة، عندها سيكون على حق…فقد يتدرج الإنسان السمح الحكيم في قول الحق، لكنه لا يتفوه بالباطل تحت ذريعة الصراحة، فهناك فرق بين الصراحة و الوقاحة .

على مسار الحياة و فوق بساط الوجود، لا يتأتى الفخر و الاعتداد بالنفس إلا لمن عانق النجاح من رحم المعاناة، و لمن استأسد على الصعوبات حتى أناخت له كل العقبات، و زأر بملء فيه و فؤاده متخطيا كل المحاولات، رافعا لواء الوجود في حضرة الوجود، كي لا تنهار أمامه كل قوى الأحلام و الطموحات و قد اكتسب قلبا موقنا و روحا مفعمة بالحياة و نفسا قوية، فعندما يكون القلب محقا في المسير في طريق الله، فحتما لا يقوى أحد على كسره.

على مسار الحياة و فوق بساط الوجود، قد لا تتفاعل جوارحنا مع مكونات الكون بالكتابة المباشرة في الآن نفسه ، و قد لا تتسع صفحات وجداننا كي تحوي كل الكتابات، لكن لنكن واثقين و على يقين أن الكتابة الهادفة، و مهما كنا غارقين في خضم الحياة، تنقش في ذاكرتنا فسيفساء الوله و زخاريف الشوق إلى الأحبة اينما كانوا، و هي تنتظر منا الفرصة كي نرد و نستشعر وجودهم و وجدانهم، حتى تتحسس اننا قرأنا تلك الكتابات، و استفدنا و افدنا منها.

على مسار الحياة و فوق بساط الوجود، قد تجري الرياح أحيانا بما لا تشتهي السفن، و قد يشق النهر الجاري طريقا غير التي رسمت من قبل، فتنساب المياه إلى واد غير ذي زرع، مما يؤدي إلى ندرة المشاعر المقدسة و الأحاسيس الصادقة، الناطقة بلسان الحال قبل المقال ، فيصيب خوالجنا قحط العواطف، لأن التفاعل قد اختلطت عليه العبارات و العبرات، و تداخلت فيما بينها الكلمات و الدلالات، فاستسلمت إلى تلقي اللكمات.

و مع ذلك فكم هو جميل أن تلامس نخوة نفوسنا مكنونات الجوارح، و زخم القلوب لدى الوالهين ، فتلتمس العذر للعاذلين عن طريق الشوق و الاشتياق، و تراعي ظروفهم في عدم القدرة على فهم اسرار الحب و سبر أغوار الحياة، حتى و إن عاندت بأفكارها فإن الجوارح لها معجم معبر عن صدق القصد و عشق المقصود، و للعواطف أسلوب راق في الإفصاح عما يخالج المكنون في بوثقة الوجود.