عبد الصمد صدوق-
انتشرت ظاهرة الانتحار خلال السنوات الأخيرة بشكل رهيب في مجتمعنا لأسباب مختلفة بحيث يمكن حصرها فيما ما هو سيكولوجي و سوسيولوجي ، نظرا للارتباط الوثيق بين الذات و المجتمع.
إننا بصدد البحث و التقصي في المحيط الاجتماعي للأفراد من أجل القيام بدراسة الواقع عن طريق مواكبة الأحداث الطارئة سياسيا و اجتماعيا و اقتصاديا ، ومحاولة فهم القضايا الإنسانية و ربطها بالمتغيرات والأحوال الشخصية ، وتحليل وجهات نظر الخبراء و آراء الأشخاص حول هذه الظاهرة الاجتماعية ، للوقوف على أسباب هذه السلوكات المؤذية في حق الذات ، فوجدنا أنفسنا أمام زخم هائل من الفرضيات والتوجهات التي تتناول جوانب مهمة تركز في مجملها على ما هو نفسي و اجتماعي وكل ما يتعلق بالتنشئة الاجتماعية بشكل عام ، باعتبارها المحرك الفعال في الرعاية المثلى في تقويم سلوكيات الفرد داخل المجتمع .
وحيث أن بعض الآثار الاجتماعية كالفقر والبؤس و البطالة والتشرد والتشتت الأسري من شأنه أن يمهد الطريق أمام بعض الأشخاص الذين يعانون من أزمات نفسية سابقة إلى الإقدام على الانتحار.
كما أن المحيط الأسري يعتبر أيضا المسؤول عن حالة الأفراد وانسجامهم داخل المجتمع ، فالاستقرار العائلي قد يضعف من احتمالية انتشار هذه السلوكات المنحرفة بهذا الشكل المخيف ، إضافة إلى التحسيس المستمر من طرف وسائل الإعلام و المؤسسات التعليمية ، من أجل التوعية و نشر المبادئ الأخلاقية والقيم النبيلة ، وتجنب نشر البرامج التلفزيونية ذات خلفيات عدوانية أو إجرامية مراعاة للحالة النفسية و السلوكية للأفراد .
إن ظاهرة الانتحار من الناحية النفسية هي بمثابة سلوك عدواني يقوم به شخص معين في حق ذاته بهدف الموت ، جراء تعرضه لمجموعة من الصدمات العنيفة إما نتيجة خسارة كبرى أو شعوره بالتعاسة الدائمة أو الاكتئاب الحاد ، أو إدمانه على المخدرات ، أو تعرضه لاعتداء جسدي من طرف الآخرين ، أو تراكم الديون أو فقدان شخص عزيز وغيرها من الأسباب الكثيرة و المعروفة ..)
وهذه الظاهرة شائعة حتى في المجتمعات المتقدمة وبنسب كبيرة جدا ؛ بسبب الكثير من العوامل النفسية المؤثرة السالفة الذكر ، و التي ينتج من خلالها ضعف السيطرة على الأوضاع النفسية وعدم القدرة على مواجهة المشاكل ويترتب عنها العجز عن إيجاد حلول لها ، إضافة إلى ضعف الإيمان الروحي .
بحيث أن الانسان ضعيف الشخصية يكون أكثر عرضة لاضطربات نفسية بشكل كبير ، فيتأثر بها ويتعايش معها فتظهر جليا هذه التأثيرات من خلال سلوكاته وتصرفاته غير الطبيعية ، فيشعر إزاءها بالإحباط و المهانة و القلق الشديد و الميل إلى العزلة و الاكتئاب و الخوف من نظرة المجتمع الدونية و غيرها ، فيحدث خلل ظاهر على مستوى الإدراك الحسي والسلوكي لدى هذه النوعية من الأشخاص، ويحصل عندهم فقدان الثقة بالنفس وتتولد لديهم مايسمى “بعقدة التقدير النفسي” أو التقبل الذاتي.
فالشخص المتشائم و الفاقد للأمل ، و الناظر إلى الحياة بمحدودية الآفاق والأبعاد ، قد يكون من العسير إقناعه وتخويفه لمحاولة ثنيه على اتخاذ قرار الانتقام من الذات عن طريق الانتحار ، قبل القيام بالفعل ، بذريعة أن الأمر ليس حلا جذريا !! فالشخص المقدم على السلوك الانتحاري لا يفكر سوى بالخلاص ولا يشعر أبدا بالخوف أو الجبن من العواقب بعد أن فقد السيطرة على كل الأحاسيس والمشاعر ، وكل هذ ناجم عن ضعف العزيمة الشخصية والعجز التام عن تقبل الواقع ومسايرته على نحو سليم ، وبالتالي يميل هذا الشخص إلى الانعزالية و الانقطاع عن المجتمع ، و احتقار الذات والشعور بالإحباط والخيبة والحزن الدائم والانهزامية ومع مرور الوقت يفكر في وضع حد لمعاناته بالانتحار .
