حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

– أبو رضى

في السنوات الأخيرة، يلفت الانتباه في العاصمة الجزائرية و مدن أخرى، انتشار مشاريع بناء العديد من الفنادق.

هذه الاستثمارات، التي يقودها بشكل رئيسي القطاع الخاص الوطني، تعكس تفاؤلًا كبيرًا بمستقبل السياحة في الجزائر، برغم الانتقادات الموجهة لهذا القطاع الذي تم تهميشه منذ الاستقلال ضمن استراتيجيات التنمية الوطنية، حيث لم يُعتمد عليه كمصدر للتوظيف أو لجلب العملة الصعبة، بل ظل الاعتماد الأساسي على عائدات قطاع المحروقات.

هذا الإهمال طال قطاعات أخرى، مثل السياحة و الزراعة، مما حال دون تحقيق الجزائر المكانة التي تستحقها وفق إمكانياتها الطبيعية الكبيرة في جذب السياح الأجانب، على غرار ما نجحت فيه دول الجوار المغاربي.

و بالحديث مجددًا عن السياحة، تظهر مؤشرات خجولة على بداية اهتمام بالسياحة الشتوية، مثل السياحة الجبلية في أقصى الجنوب الجزائري، خصوصًا خلال عطلة نهاية السنة كما يحدث هذه الأيام، حيث اتخذت الجزائر بعض الإجراءات الإدارية لدعم هذا النشاط، منها منح التأشيرة عند الوصول لمجموعات السياح الأجانب.

هؤلاء السياح يبدون إعجابًا كبيرًا بجمال طبيعة الجنوب الجزائري، الذي ما زال محافظًا على طابعه العذري، و مع ذلك، تبقى هذه الجهود متواضعة و غير كافية ما لم يُعالج موضوع السياحة بجدية أكبر، ليس فقط كقطاع استثماري، و لكن أيضًا كثقافة و سلوكيات، إذ العمل على تغيير الصورة النمطية التي التصقت بالجزائر دوليًا، يتطلب تغييرًا أعمق في العقليات والوعي بهذا المجال.

تقارير دولية صنفت العاصمة الجزائرية لسنوات، ضمن أسوإ مدن العالم من حيث جودة الحياة، مقارنة إياها بمدن تعاني من أزمات و حروب أهلية كطرابلس الليبية و دمشق السورية.

هذه الصورة النمطية عن الجزائر ترسخت في أذهان العديد من العرب و الأجانب، الذين غالبًا ما يتساءلون: لماذا لا تُفتح الجزائر أمام السياح الأجانب، و هي بلد ذو جمال طبيعي مميز؟

تكررت روايات عن قصص غير مشجعة، مثل تلك التي تحدثت فيها إحدى السيدات عن منعها من مغادرة الفندق مع صديقاتها خوفًا من التعرض للاعتداء أو السرقة، إذ سواء كانت هذه الروايات دقيقة أم لا، فإن تداولها في العديد من العواصم العربية يبرز عمق الصورة النمطية السلبية عن الجزائر، التي لا يمكن تغييرها فقط عبر بناء المزيد من الفنادق.

الأمر إذن يتطلب جهودًا أكبر لتحسين تسيير المدن، حيث يقيم غالبية السكان، بهدف توفير خدمات تستقطب السياح و الدبلوماسيين و رجال الأعمال، و تلبي احتياجاتهم.

هذا إلى احتياج الجزائر إلى تعزيز عروضها السياحية لتتجاوز المألوف، مثل ما تقدمه مدن كجيجل و وهران، إلى جانب استثمار إمكانياتها في السياحة الدينية و الثقافية، التي تظل غير مستغلة بالشكل المطلوب.

الأهم هو ضمان شعور الزائر بالأمان و حرية الحركة، بعيدًا عن الصور النمطية التي تعكسها الإجراءات الأمنية المشددة، التي تجعل وفود السياح الأجانب في الجنوب محاطين برجال أمن أكثر من عددهم.

و رغم تحسن الوضع الأمني في السنوات الأخيرة، ما زالت العقليات الأمنية و البيروقراطية تعرقل تطور القطاع السياحي، و هذه العقليات تظهر جلية في معاملة السياح الأجانب أثناء طلب التأشيرة، حيث يجدون أنفسهم أمام إجراءات معقدة تجعلهم يشعرون و كأنهم “متهمون”.

تجربة أستاذ جامعي لبناني فلسطيني أراد زيارة الجزائر خير مثال على ذلك، إذ عانى من استجواب مطول في السفارة الجزائرية، مما دفعه إلى التوجه للسفارة التركية، حيث حصل على تأشيرته في يوم واحد.

تغيير هذه الصورة النمطية يتطلب سياسة شاملة لإعادة بناء الثقة، و تطوير البنية التحتية، و تغيير العقليات المرتبطة بالبيروقراطية و الخوف من الآخر، إلى جانب استثمار المقومات الطبيعية و الثقافية التي تزخر بها البلاد، ذلك أن عقلية الخوف من الآخر، التي تجسدها نظرة البيروقراطي الريعي، تمثل عائقًا رئيسيًا أمام فتح الجزائر أمام السياحة الأجنبية.

هذا البيروقراطي، الذي يرى أن البلد ليس بحاجة إلى عائدات السائح الأجنبي أو إلى “مآربه” المشبوهة، يساهم في تكريس الجمود في القطاع السياحي، و ربما يجد ملاك الفنادق، الذين يعتمدون على نجاح هذا القطاع لاستثماراتهم، دافعًا أكبر لتغيير هذه العقلية و الانفتاح على السياح الأجانب، بما يتجاوز قيود التفكير التقليدي.

أزمة السياحة في الجزائر لا تقتصر فقط على غياب السائح الأجنبي، بل تمتد إلى السائح الوطني أيضًا، حيث أن السياحة الشتوية، التي بدأت تظهر بوادرها الخجولة، ما زالت بعيدة عن متناول الجزائريين، إذ لم تدخل بعد ضمن ثقافتهم السياحية المحدودة، أما السياحة الصيفية، التي يُفترض أن تكون أكثر شعبية، فقد أظهرت التجربة الطويلة أنها تبقى بعيدة عن متناول الفئات المتوسطة بسبب غلاء أسعارها، مقارنة بجودة الخدمات المتواضعة.

هذا الواقع يدفع الجزائريين من ذوي الإمكانيات المالية المتوسطة إلى اختيار وجهات خارجية مثل تونس أو تركيا، حيث يجدون عروضًا تناسب احتياجاتهم و إمكانياتهم، و هو التوجه الذي يعكس التدهور الذي تعيشه الطبقة الوسطى في الجزائر، و التي تعد العمود الفقري لأي سياسة سياحية ناجحة في العالم، إذ في الوقت الذي تتجه فيه السياسات السياحية الدولية نحو دمقرطة القطاع، تعتمد الجزائر على عروض سياحية محدودة و مكلفة، لا تلبي احتياجات هذه الفئات.

تجربة تونس المجاورة تقدم نموذجًا ناجحًا يعتمد على تقديم عروض سياحية متنوعة و بأسعار معقولة، مما يجعلها وجهة مفضلة للسائحين من داخل المنطقة و خارجها.

في الجزائر، يبقى العرض السياحي المتاح للفئات المتوسطة محدودًا، مما يضطرها للاقتصار على وجهات بسيطة مثل حمام ريغة أو حمام ملوان، و هذا الوضع يعكس تحديات أكبر مرتبطة بتدهور القدرة الشرائية، و تراجع السياسات الاقتصادية التي كان من المفترض أن تدعم هذه الفئات، و بالتالي، يتطلب الأمر استراتيجية شاملة تهدف إلى تحسين القدرة الشرائية، تطوير عروض سياحية متنوعة، و تعزيز ثقافة سياحية تجعل القطاع في متناول الجميع، محليًا ودوليًا.