حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

عبدالله خباز

لم تعد كرة القدم، في بعض لحظاتها، مجرد لعبة تحسم بالأهداف، بل صارت مرآة تعكس مستوى الوعي و السلوك لدى من يحملون القمصان الوطنية. فبقدر ما تفرح الجماهير بنتائجها، بقدر ما تصدم أحيانا بتصرفات تفرغ الانتصار من معناه و تضع القيم الرياضية في قفص الاتهام.

ما أعقب مباراة الجزائر و الكونغو الديمقراطية ليوم الثلاثاء 6 يناير 2026، في إطار ثمن نهائي كأس الأمم الإفريقية 2025 بالمغرب، لم يكن نقاشا حول الأداء أو التكتيك، بل حول لقطة سلوك أثارت استياء واسعا، حين وجهت حركات اعتبرت ساخرة و مهينة نحو مشجع كونغولي معروف بلقب “لومومبا”، في مشهد فهمه كثيرون على أنه استهزاء غير مبرر بشخص لم يصدر عنه أي استفزاز، و لم يكن حضوره سوى تعبير رمزي صامت عن ذاكرة إفريقية مثقلة بالنضال و التاريخ.

المشجع الكونغولي لم يكن جزءا من الاستعراض، و لم يسع إلى الشهرة، بل أصبح أيقونة لأنه جسد معنى مختلفا للتشجيع، بعيدا عن الصراخ و الاستفزاز. صمته كان رسالة، و حضوره كان رمزا، و هو ما جعل أي سخرية موجهة إليه تتجاوز الشخص لتطال الفكرة و الذاكرة و الاحترام الواجب.

غير أن ما زاد من حدة الجدل، هو أن هذه الواقعة لم تكن معزولة. فقد سبقها، أو رافقها، سلوك لاعب آخر وثق على نطاق واسع، تمثل في استفزاز الجماهير المغربية، و القيام بحركات وصفت بغير الأخلاقية و المشينة، إضافة إلى التفوه بعبارات نابية في حق جماهير لم تكن طرفا في أي إساءة. تصرفات كهذه، حين تصدر من لاعبين دوليين، تطرح أسئلة حارقة حول معنى الاحتراف و حدوده.

هنا لا يتعلق الأمر بمنتخب بعينه أو بجنسية لاعب، بل بسلوكيات تتكرر في ملاعب يفترض أنها فضاءات للتنافس الشريف. فاللاعب المحترف ليس فقط من يجيد التمركز و التسجيل، بل من يعي أن الملايين تراقبه، و أن حركاته و كلماته تحسب عليه و على القميص الذي يرتديه.

الأخطر من التصرفات ذاتها، هو تطبيعها أو تبريرها بدعوى “حرارة المباراة” أو “نشوة الفوز”. فحين يغيب الوعي، يصبح الانتصار ذريعة، و تتحول الرياضة إلى مساحة لتفريغ الاستفزاز بدل تجسيد القيم. و حين يمتد هذا التبرير إلى بعض المنابر الإعلامية، فإن الإشكال يتجاوز اللاعب ليصبح خللا في منظومة كاملة.

استقبال رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم للمشجع الكونغولي بعد المباراة حمل رسالة واضحة مفادها أن كرة القدم الإفريقية مطالبة بحماية بعدها الإنساني، و أن احترام المشجع، أيا كان، جزء لا يتجزأ من أخلاقيات اللعبة.

من هنا، فإن الدعوة إلى الاعتذار أو المحاسبة الأخلاقية لا ينبغي أن يفهما كاستهداف، بل كخطوة تصحيحية ضرورية. فالسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يكفي أن يكون اللاعب موهوبا ليصنف محترفا، أم أن الاحتراف الحقيقي يبدأ من السلوك قبل المهارة؟

كرة القدم ستظل لعبة شعبية جامعة، لكن قيمتها الحقيقية لا تقاس بعدد الأهداف، بل بقدرتها على ترسيخ الاحترام، و صون الكرامة، و جعل الفوز لحظة فرح لا مناسبة لإهانة الآخر.