أبو رضىفي سجل كرة القدم المغربية، تتوهج أسماء خالدة طبعت تاريخ المنتخب الوطني ومثّلت المغرب في أبهى صوره، لكن قلّما يجمع المغاربة على لاعب كما يجمعون على النجم الكبير أحمد فرس، اللاعب الدولي السابق وأحد أبرز رموز الكرة المغربية في القرن العشرين.
ولد أحمد فرس سنة 1946 بمدينة المحمدية، وترعرع بين أحيائها الشعبية، قبل أن تكتشفه أعين نادي شباب المحمدية، الفريق الذي سيصبح لاحقًا بيته الكروي الأول والأخير. حمل قميص النادي لأزيد من عقدين من الزمن، وظل وفياً له رغم العروض المغرية التي توالت عليه من الداخل والخارج، ما أكسبه احترام الجماهير والنقاد على حدّ سواء.
لكن التألق الحقيقي لأحمد فرس لم يقتصر على المستوى المحلي، فقد كتب اسمه بأحرف من ذهب في تاريخ المنتخب الوطني المغربي، وساهم بشكل بارز في أبرز إنجازاته في السبعينيات، خاصة خلال كأس أمم إفريقيا 1976 التي توّج بها “أسود الأطلس” في إثيوبيا، وكان فرس آنذاك قائدًا ميدانيًا وهدّافًا حاسمًا، ليصبح المغرب بذلك أول بلد مغاربي يحرز لقب البطولة القارية.
تميز أسلوب لعب فرس بالرزانة، الذكاء، والقدرة على إنهاء الهجمات بلمسة واحدة. لم يكن فقط مهاجمًا يسجل الأهداف، بل كان لاعبًا جماعيًا، يربط بين الخطوط، ويوزع الكرات بدقة، ويقود زملاءه في الميدان بهدوء القائد الحكيم.
وقد تُوّج أحمد فرس بجائزة أفضل لاعب إفريقي لسنة 1975 من طرف مجلة “فرانس فوتبول”، ليكون بذلك أول مغربي يحصل على هذا التتويج الفردي الرفيع، في زمن لم تكن فيه كرة القدم الإفريقية تحظى بالاهتمام العالمي الذي تناله اليوم.
اعتزل فرس اللعب الدولي سنة 1979 بعد مسيرة حافلة بالأهداف والعطاء، لكنه لم يبتعد عن الميادين، بل واصل خدمته لكرة القدم من مواقع متعددة، من بينها الإدارة الرياضية، وتكوين الناشئين، والترويج لصورة الرياضة الوطنية بصفته سفيرًا للروح الرياضية المغربية.
ومع كل هذا العطاء، يعيش أحمد فرس اليوم وضعًا صحّيًا حرجًا، حيث يرقد في أحد المستشفيات وهو يصارع المرض في صمت، وسط غياب لافت لرد فعل حقيقي من الجهات المسؤولة، التي لطالما تغنت بإنجازاته. صمتٌ رسمي يزيد من مرارة المشهد، ويطرح تساؤلات مؤلمة حول الوفاء لنجوم الوطن الذين رفعوا رايته عالياً في المحافل الدولية.
أحمد فرس ليس مجرد لاعب كرة سابق، بل هو رمز لزمن النقاء الكروي، وزمن اللعب من أجل الشرف والقميص. وحين نتحدث اليوم عن الاحتراف وتاريخ الكرة المغربية، يظل اسمه مرجعًا لا يُختزل في الأرقام فحسب، بل في القيم التي جسّدها داخل وخارج الملعب.
لقد صنع فرس مجده بصمت وتواضع، وخلّد اسمه بين أساطير الكرة الإفريقية، تاركًا خلفه إرثًا لا يُنسى، وسيرة رياضية تدرّس للأجيال الصاعدة في حب الوطن واللعب النظيف.
