حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

 

عبدالله ضريبينة_

في خطوة تعكس توجهاً متقدماً نحو ترسيخ دولة القانون وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، شرع عدد من عمال الأقاليم بالمملكة في اتخاذ إجراءات تأديبية صارمة في مواجهة المتورطين في تنامي ظاهرة البناء العشوائي، وذلك في حق بعض رجال السلطة وأعوانها، الذين ثبت تقصيرهم أو تواطؤهم في هذا الملف الحساس.

وحسب معطيات متطابقة، فقد شملت هذه الإجراءات سحب أختام محاضر التعمير من عدد من رجال السلطة، بعد تحميلهم مسؤولية الإخلال بواجب المراقبة والتتبع الميداني، أو التقاعس عن تحرير محاضر المخالفات في حق بنايات شُيّدت خارج الضوابط القانونية الجاري بها العمل. كما طالت المساءلة أعوان سلطة تم تحميلهم مسؤولية عدم الإخبار أو الاستخبار بشأن أوراش وبنايات أُنجزت دون الحصول على التراخيص القانونية من المصالح المختصة.

وتندرج هذه الخطوة في إطار تفعيل مقتضيات القوانين المنظمة للتعمير، وعلى رأسها القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير، والقانون رقم 66.12 المتعلق بزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء، اللذان يحمّلان السلطات المحلية مسؤولية المراقبة والزجر والتبليغ عن كل خرق يمس النظام العمراني والتهيئة المجالية.

ويرى متتبعون للشأن الحقوقي أن هذه الإجراءات، وإن جاءت متأخرة في بعض المناطق، فإنها تشكل رسالة واضحة مفادها أن التغاضي عن البناء العشوائي لم يعد مقبولاً، وأن أي إخلال بالواجب المهني، أو تواطؤ صريح أو ضمني، سيواجه بالمساءلة الإدارية والقانونية، انسجاماً مع المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي السياق ذاته، تؤكد فعاليات حقوقية أن تفشي البناء غير المرخص لا يمس فقط جمالية المدن واحترام وثائق التعمير، بل يشكل أيضاً انتهاكاً لحق المواطنين في السكن اللائق، ويعرض سلامتهم الجسدية للخطر، خاصة في ظل غياب معايير السلامة والجودة، وهو ما يستدعي اعتماد مقاربة شمولية تقوم على الوقاية، والزجر، والتخليق، إلى جانب محاربة كل أشكال الفساد المرتبطة بهذا القطاع.

ويأمل متابعون أن تتجاوز هذه الإجراءات الطابع الظرفي أو المناسباتي، وأن يتم تعميمها على مختلف الأقاليم والعمالات، مع فتح تحقيقات دقيقة وشفافة لتحديد المسؤوليات، سواء على المستوى الإداري أو القضائي، بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات، ويكرّس سيادة القانون، ويضع حداً لظاهرة البناء العشوائي التي طالما ألقت بظلالها السلبية على مسار التنمية الحضرية والاجتماعية بالمغرب.