حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

بوشعيب موطريب

كلما غادرنا مدينة الجديدة وسافرنا عبر ربوع وطننا، نصاب بدهشة ممزوجة بالحسرة. نرى مدنًا أصغر من مدينتنا وأفقر في مواردها، لكنها أنظف، أجمل، وأقدر على جذب الزائر والمستثمر. فنعود لنسأل أنفسنا: ما الذي ينقصنا لنكون أفضل منهم، أو على الأقل في مستواهم؟ ولماذا تغيب المحاولات الجادة للحاق بركب المدن التي نجحت في أن تكون بيئة حضارية راقية؟

الجديدة، وهي مدينة غنية بموقعها الجغرافي، بسواحلها، بتاريخها، وبخيرات أرضها، تعاني من مظاهر الإهمال والتأخر التي تتجذر في تفاصيل الحياة اليومية. مرافقنا العمومية – مهما كانت جديدة – لا تصمد طويلًا قبل أن تتحول إلى هياكل مهترئة تثير السخرية بدل الإعجاب. ففي مدن أخرى، نرى صناديق القمامة مصنوعة من مواد متينة كالألومنيوم أو الستانلس ستيل، مزينة بألوان ورسوم تشجع على الحفاظ على النظافة، بينما نكتفي نحن بنماذج رخيصة الثمن سريعة التلف.

الحدائق والساحات في مدن أخرى تتحول إلى لوحات فنية حيّة، تزينها النوافير والنصب التذكارية، بينما مساحاتنا الخضراء – إن وُجدت – تفتقر للإبداع والجاذبية. المرافق الصحية العامة، التي تعتبر ضرورة حضارية، إما غير موجودة أو في حالة يرثى لها، ما يدفع البعض إلى تلويث مداخل العمارات وجدرانها، أو أي بقعة نائية يجدونها.

أما سواحلنا، التي كان يمكن أن تكون جواهر على امتداد الأطلسي، فقد أصبحت في بعض المناطق جراحًا مفتوحة تجرح أقدام المارة وتجرح معها كبرياء المدينة، بعدما وصل التلوث إلى مياه البحر، حتى فقدت بريقها ونقائها.

لماذا لا يتم تكريم شهدائنا الذين ضحوا بأرواحهم من أجل الوطن بإطلاق أسمائهم على شوارع رئيسية ومعالم بارزة؟ ولماذا تظل العمارات المتهالكة، المهددة بالسقوط، واقفة بعناد كأنها شواهد على الإهمال، تزيد المشهد العمراني قبحًا فوق قبح؟

لدينا مجلس بلدي، ولدينا قوانين، ولدينا موظفون يفترض أنهم يطبقون القانون ويراقبون المخالفين. لكن النتيجة تقول إن شيئًا ما معطل: هل الخلل في القوانين نفسها؟ أم في من يفترض أنهم يطبقونها؟ أم في التدخلات والصفقات والمصالح الشخصية التي تفرغ النصوص من محتواها؟

هذه ليست مجرد أسئلة عابرة، بل هي جروح مفتوحة في جسد مدينة تملك كل المقومات لتكون “جديدة” بحق، لكنها تتعثر في خطواتها، وكأنها أسيرة دوامة من الوعود المؤجلة.

يبقى الأمل أن نمتلك الشجاعة لمواجهة هذه الحقائق، وأن نتعاون – مسؤولين ومواطنين – على صياغة مستقبل يليق بتاريخ المدينة وكرامة ساكنتها. أسئلة اليوم يجب أن تتحول إلى إجابات الغد، وإلا ستظل الجديدة حبيسة اسمها، تنتظر أن تصبح… جديدة فعلًا..