عبد العالي مزيوة
يعرف العالم سباقا متسارعا في مجال الذكاء الصناعي، إذ يكاد لا يخلو مجال من توظيف تطبيقات هذه التقنية الحديثة، سواء في الطب و الهندسة، أو التصنيع و الاستثمار، أو الخدمات المالية و الترفيه، و غيرها من المجالات.
و بهدف المسايرة ، تُظهر محاولات عربية متنوعة، رغبة واضحة في اللحاق بموقع متقدم ضمن تلك المنافسات. و هذا التطور المتسارع لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، يطرح تحديات تستلزم تطوير سياسات التعليم و مناهجه واستراتيجياته، من أجل مسايرة مستجدات هذه الثورة التقنية الحديثة.
و هذا ما يدفع بلدان العالم العربي إلى مواكبة هذا التحول، و عدم التخلف عن ركب قافلة الذكاء الاصطناعي، إذ في هذا الخصوص أعلنت الحكومة المغربية عن إحداث مدرستين للذكاء الاصطناعي و الرقمنة بمدينة بركان و تارودانت، في تجربة تعد الأولى من نوعها في البلاد.
و وفقا لبيان حكومي سابق، يهدف هذا المشروع إلى “إحداث مؤسسات جامعية جديدة، و هي: المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي و علوم المعطيات بتارودانت؛ وتحويل الملحقة الجامعية ببركان إلى مدرسة وطنية للذكاء الاصطناعي والرقمنة”، و أوضح البيان أن “إحداث المدرستين يهدف إلى تزويد البلاد بنموذج جديد من مدارس المهندسين التابعة للجامعات، بغية تكوين رأسمال بشري متخصص، قادر على مواكبة التحديات المرتبطة بالتحول الرقمي و الانخراط في مجتمع المعرفة”.
و حسب بيانات المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي، التي تصدَر عن منصة “تورتواز ميديا”، فإن أغلب بلدان المنطقة العربية، لا تزال “متخلفة” عن ركب الدول المتقدمة، التي قطعت أشواطا كبيرة في هذا المجال، حيث صنفت الإمارات في المركز الـثامن و العشرين عالميا، ثم السعودية في المرتبة 31 عالميا، و بعدها قطر في المرتبة 42، ثم مصر في المرتبة 52، فتونس في المرتبة 56، ثم المغرب في المرتبة 57، ثم البحرين في المرتبة 58.
و يصنف المؤشر 62 دولة حسب قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي على المستوى العالمي، و يعتمد على معايير عدة، منقسمة إلى سبع ركائز فرعية هي: المواهب، و البنية التحتية، و البيئة التشغيلية، و البحث، و التطوير، و الاستراتيجية الحكومية و التجارة.
*تحديات
أصدرت الأستاذة في العلاقات الدولية بجامعة “محمد الخامس”، السيدة “فاطمة رومات”، كتابا تحت عنوان ” العلاقات الدولية و تحديات الذكاء الاصطناعي”، و الذي طرحت فيه مجموعة من العقبات و المشاكل التي قد تعتري هذا المجال، تؤكد من خلاله أن العقبة الأساسية التي ما زالت تعترض اعتماد الذكاء الاصطناعي في قطاع التعليم، و لا سيما التعليم الجامعي، تتمثل في “تواضع حجم الاستثمارات في هذا المجال، مقارنة بالموارد الكبيرة التي يتطلبها تطوير برامج الذكاء الاصطناعي” ، فضلا عن كون البنية التحتية التكنولوجية (المعدات و البرمجيات اللازمة لتطوير و تشغيل و تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي)، ما تزال غير كافية أو غير متاحة لجميع الباحثين في المجال.
و من بين العقبات أيضا، تضيف الأستاذة “رومات”، “قلة الأطر و الخبراء في مجال الذكاء الاصطناعي، القادرين على تلقين و تأطير هذه التقنية الجديدة، على النحو المطلوب، لجميع الطلبة بالجامعات و المعاهد العليا، نظرا لطابعها المستجد و المتسارع، و هو ما يستدعي تنظيم دورات تكوينية مستمرة لفائدة المدرسين، و الاستعانة في ذلك بالخبراء المحليين و الأجانب”.
و السيدة “رومات”، الخبيرة في الذكاء الاصطناعي، و التي أنجزت كذلك مشروع التوصية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، بمنظمة الأمم المتحدة للتربية و العلوم و الثقافة (اليونسكو)، تابعت في كتابها الذي بتألف من 128 صفحة أنه “رغم أهمية الآثار الإيجابية للذكاء الاصطناعي، فمن الملاحظ أنه يطرح تحديات غير مسبوقة، لا سيما مع السباق نحو امتلاك هذه التكنولوجيا، الذي يسير بوتيرة أسرع من السباق نحو التسلح، مما يضع العالم بأسره في مواجهة مخاطر أمنية و اقتصادية و اجتماعية و ثقافية، إضافة إلى الأشكال الجديدة للحروب، و التي تعتبر السمة الأبرز للنظام العالمي الجديد، الذي هو نظام يتميز بظهور قوى جديدة و أسلحة ذكية استراتيجية و بيولوجية، كلها تعتمد على الذكاء الاصطناعي، حيث ستكون الكلمة الفصل في تحديد مسار الإنسانية، لمن يمتلك السيادة التكنولوجية”.
