فاطمة حطيب
المستقرئ لتاريخ الحركة الصوفية في المغرب يجدها ضاربة في القدم، لنقف من خلالها على الأدوار الرائدة التي لعبتها الصوفية في بناء الدولة المغربية، و هو الأمر الذي فطن إليه المستعمر الفرنسي، فحاول فصل هذه الشرائح من رواد المتصوفة عن هويتهم المغربية، مستصدرا ما عرف بالظهير البربري، غير أن الإرادة و التلاحم القويين للمغاربة بكافة أطيافهم و ألوانهم، حجّمت هذا الدور الأمبريالي لتبقى الصوفية منارة من المنارات التي امتد بنيانها إلى كل ربوع جنوب افريقيا، مما أسهم في تلاقح و تمازج الثقافات بين المغرب و بعض البلدان الإفريقية، التي يجمعها بالمغرب شريان الصوفية، الأمر الذي لا زال إلى يومنا هذا نبراسا يهتدي به المغرب على كافة الأصعدة.
و من أهم هذه المؤسسات الصوفية، نجد “مؤسسة الشيخ ماء العينين للعلوم و التراث”، التي كان لها منذ تأسيسها أكبر الأثر في النهوض بعلوم و تراث المملكة، و في مقدمتها الموروث الصوفي.
و في هذا الإطار، و امتدادا لهذا الدور الريادي الذي لعبه و لازال يلعبه الفكر الصوفي، نعرج على الدور الطلائعي الذي اضطلعت به المؤسسة في الحفاظ على الهوية الصوفية المغربية، و منها اللقاءات السنوية ل “الملتقى الدولي للفكر الصوفي عند الشيخ ماء العينين”، و آخرها وليس بأخير، انطلاق “قناه الشيخ ماء العينين للتصوف”، هذه المعلمة التي أُعلن عن انطلاقها في فاتح رمضان هذا، من داخل مقر “مؤسسة الشيخ ماء العينين للعلوم و التراث”.

و بهذا الخصوص، أعلن مدير القناة و الكاتب العام للمؤسسة، الدكتور “سدي علي ماء العينين” عن افتتاح “قناة الشيخ ماء العينين للتصوف”، و ذلك من خلال حفل رمزي بسيط ترأسه رئيس المؤسسة الدكتور “فؤاد مصطفى ماء العينين”، مرفوقا بأعضاء المؤسسة الذين زاروا القناة و أدلوا بتصريحات قيمة، يثمنون من خلالها هذه المبادرة التي تترجم قرار المؤسسة، على أمل أن تتواصل تصريحات الأعضاء ممن تعذر عليهم الحضور، إلى جانب تصريحات علماء من خارج المغرب، سبق لهم أن شاركوا ضمن الملتقيات الستة ل “الملتقى الدولي للفكر الصوفي للشيخ ماء العينين”.
و لم يفت مدير القناة التذكير بأنه سيتم الإعلان لاحقا عن بداية حلقات قناه الشيخ للتصوف، حيث ستكون البداية برنامج “حصاد الملتقى الدولي للفكر الصوفي عند الشيخ ماء العينين”.

و قد استُهِل الحفل بكلمة للدكتور “فؤاد مصطفى ماء العينين” رئيس المؤسسة، بقراءة الفاتحة ترحما على شهداء غزة، و مشيرا إلى أن افتتاح القناه جاء بعد انتظار طويل، أي بعد مرور أكثر من عشرين سنة على تأسيس “مؤسسة الشيخ ماء العينين للعلوم و التراث”، و عشر سنوات على بداية “الملتقى الدولي للفكر الصوفي عند الشيخ ماء العينين”، إذ تعتبر القناة تتويجا لعشر سنوات من العمل و المثابرة، كما تمنى أن تكون القناة منبرا للتبليغ و نفض الغبار عن علم ظل منذ عقود طي التهميش، إذ التصوف من العلوم السامية التي تبني المجتمع.
و في كلمة له، أشاد نائب رئيس المؤسسة “الجيه ماء العينين” بافتتاح هذه القناة التي تهتم بالتصوف، و أنها المشروع الذي عملت المؤسسة منذ زمن بعيد على إخراجه لحيز الوجود، و الذي أعد خصيصا للتذكير بجميع المحطات التي مرت منها المؤسسة المهتمة بالتصوف، و أن القناة ما هي إلا حصاد لكل الملتقيات التي مرت منها هذه المؤسسة، و التي تبلورت في عدد كبير من المداخلات و اللقاءات و المحاضرات مع قمم في عالم التصوف، إن على الصعيد الوطني أو العالمي أو العربي الإسلامي.
و في كلمته قال “محمد الاغظف ماء العينين” أن “مؤسسة الشيخ ماء العينين للعلوم و التراث” دأبت على خدمة التراث و التصوف، و أنها هي التي أنتجت القناة بعد مجهودات جبارة، أهلتها لولوج مرحلة التواصل بالوسائل العصرية، متمنيا في كل ذلك للقناة أن تكون لبنة للتعريف بأهداف المؤسسة.
من جهته شكر الأستاذ “المختار ماء العينين” كل المساهمين في إخراج هذه المعلمة إلى حيز التطبيق، كما شكر الأستاذ “محمد ماء العينين” من جهته، مؤسسة الشيخ ماء العينين على استحداثها لهذه القناة، باعتبارها المعلمة التي تتكامل جهودها في باب إثراء التصوف، مما سيفيد المسلمين و غيرهم في كل مناحي حياتهم.
الأستاذ “أحمد عبد اللطيف” أوضح أنه من خلال القناة، سيتم التواصل مع كل الأحبة من جميع أنحاء العالم، باعتبار هذه القناة جسرا للتواصل بين أبناء المغرب، و أولئك الذين تعذرت عليهم المشاركة في كل الملتقيات، التي أبانت المؤسسة عن حسن تسييرها و تدبيرها.
و يختم “محمد ماء العينين” بأن عشر سنوات من العطاء، تُتَوج بإنشاء قناة للتصوف ستكون قبلة للعلماء و المشايخ.
هذا و تمنى كل المتدخلين الاستمرارية و الدوام للقناة، و أن يجعلها الله قناه خير و يمن و بركة، ليُختَم الحفل بالدعاء لأمير المؤمنين، و أن يجعله الله ذخرا لهذا البلد الأمين.

