حجم الخط + -
5 دقائق للقراءة

عبد العالي مزيوة 

تغطي الجهة الشرقية حسب التقسيم الإداري الجديد لسنة 2015، مساحة 90.130 كلم مربع، (12،7 من مساحة التراب الوطني). وتقطن بها ساكنة بلغت 2.314.346 نسمة حسب الاحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2014 (6.8 مجموع السكان بالمملكة). إلا أن التساؤل المطروح  والذي يؤرق الساكنة، إلى متى تبقى الجهة بعيدة عن تنزيل  مخططات التنمية الاقتصادية بالبلاد؟ وماهي العوائق التي جعلت المنطقة الشرقية تسير بسرعة السلحفاة عكس ما نشهده في جهات أخرى من البلاد؟ وهل إمكانيات المنطقة غير كافية للنهوض بالجهة؟
من خلال ما أوضحته  المندوبية السامية للتخطيط في نشرة إخبارية لسنة 2023 حول وضعية سوق  الشغل بالمغرب ، فبحسب النشرة  ، سجلت جهة  الشرق أعلى معدلات البطالة  بالمغرب،حيث  لم تأت مبادرات عديدة بجديد يغيّر من واقع المناطق التي تكابد ضعفا اقتصاديا كبيرا يجعلها غير قادرة على امتصاص شباب يضطر أغلبهم إلى البحث عن فرص عمل خارج المحيط القريب..
ووفقا لإحصائيات المندوبية السامية للتخطيط تهم سوق الشغل خلال الفصل الثاني من سنة 2022، فقد سجلت أعلى معدلات البطالة بالمغرب في الجهات الجنوبية (20,9 في المائة) وتليها جهة الشرق (18,2 في المائة)؛ وهي معطيات تزكي سابقاتها من الأرقام التي تنبه إلى ارتفاع البطالة في هذه الجهات.
أما بالنسبة للتوزيع المجالي للفقر داخل الجهة حسب المندوبية ، فنسبة الفقر تتراوح بين ٪2.8 كأقل نسبة بجماعة السعيدية إقليم بركان و٪31.4 كأعلى نسبة للفقر بجماعة اولاد سيدي عبدالحاكم بإقليم جرادة. ويلاحظ أن نسبة الفقر عموما بالشرق تتمركز بحدة في الجنوب مقارنة مع شمال الجهة حيث تسجل أعلى نسبة للفقر في إقليم جرادة لتصل إلى ٪22.8 مقابل ٪5.4 فقط بعمالة وجدة.
إن محاولات الحكومات المتعاقبة على تسيير شؤون المؤسسات بالمغرب ، في ربط الجهة بجهات أخرى تعرف دينامية اقتصادية كمحاولة منها تخفيف حدة الأزمة على الساكنة الشرقية ، يطرح تساؤلات عديدة من قبيل ، هل الجهة محكوم عليها بالتبعية للمركز؟ وهل إمكانياتها ومؤهلاتها غير قادرة لخلق نهضة اقتصادية واجتماعية تخرج المواطن من دائرة المشاكل المتعددة الأبعاد.
مؤهلات جهة الشرق:
الموقع : تحتل الجهة موقعا استراتيجيا، فهي تطل على القارة الأوربية عبر البحر الابيض المتوسط ، ومن جهة أخرى فهي بوابة المغرب على محيطه المغاربي.
المؤهلات الطبيعية ( الفلاحة ) : تعد الفلاحة من القطاعات الواعدة بالجهة الشرقية حيث تقدر المساحة الصالحة للزراعة بما يناهز 637 هكتار (٪7 وطنيا) ، وتعتبر منطقة بركان والناظور أغنى الأقاليم فلاحيا حيث يوفران أهم منتوجات الحوامض والخضر والفواكه، زيادة على الإنتاج الحيواني، أما في مجال تربية الماشية، فإن الجهة الشرقية تشتهر بجودة لحوم أغنامها ذات النوع المحلي المعروع ب (بني كيل). كما تتوفر المنطقة على ثروة غابوبة مهمة تقدر مساحتها بحوالي 2.3 مليون هكتار ( مشكلة أساسا من الحلفاء ) وتجدر الإشارة في هذا المقام أن مجال الجهة يعتبر مجالا خصبا لنمو مجموعة متنوعة من النباتات العطرية والطبية كإكليل الجبل الخزامى والشيح والزعتر وغيرها..
ثروة معدنية مهمة :
اشتهرت المنطقة بثروتها المعدنية منذ تاريخ طويل، وقد ساهمت الجهة في الإنتاج الوطني بنسب هامة بلغت أحيانا ٪100 بالنسبة لبعض المعادن. أهمها الفحم الحجري الذي توقف إنتاجه سنة 2002، أضف إلى ذلك ثروات معدنية هامة أهمها : الرصاص، الزنك، الفضة. وبخصوص توزيعها الجغرافي نجد إقليم الناظور يتميز بغناه في معدن الحديد والطين الرسوبي، وجرادة  على معدن الرصاص، بينما في إقليم فكيك هناك البارتين والرصاص والزنك. ورغم هذا الثروة المعدنية إلا أنه للأسف المغرب يستورد المواد الأولية من الخارج بدعوى ارتفاع تكلفة استغلال المعادن المغربية..
السياحة : تتوفر الجهة على مؤهلات سياحية كبيرة فهناك شاطئ السعيدية المطل على البحر الأبيض المتوسط القريب من الحدود المغربية الجزائرية والقارة الأوربية ومن مطار وجدة والناظور الدوليين، وهو الاقل تلوثا بطول يصل إلى 15 كلم.كما يصل عدد السياح بالصيف لأكثر من 500 ألف مصطاف بفضل توفر المحطة السياحية على مخيمات وفنادق سياحية مهمة. بالإضافة إلى توفر الجهة على بحيرة مارشيكا التي تعد ثاني أكبر بحيرة بواجهة المتوسط المتواجدة بإقليم الناظور. وبجنوب الجهة توجد واحات فكيك وتتكون من حقول أشجار النخيل تتوسطها مجموعة من القصور القديمة، فضلا عن الحمامات الرملية ذات الخصائص العلاجية . وتعد واحة فكيك أقرب واحة لأوروبا. إلا أن هذه المنطقة لا تعرف ذاك الرواج الذي تعرفه مناطق أخرى من المغرب مشابهة أو أقل منها جمالا، وذلك بسبب انعدام البنية التحتية اللازمة التي تشجع السياح على زيارة هذه الواحات الجميلة. وفي انتظار تجهيز البنية التحتية بالجهة وفي مقدمتها مشروع “قطار الصحراء” بين وجدة وفكيك والذي لازال حبرا على ورق، تبقى هذه المنطقة في غياهب النسيان، وتزيد من تفاقم المشاكل الاجتماعية.
تتوفر المنطقة الشرقية كذلك على مواقع إيكولوجية جذابة تتمثل في مصب نهر ملوية وجبل كوروكو، وجبال بني يزناسن حيث الغابة الكثيفة التي يتوسطها واد زكزل و مغارة الجمل المصنفة كموقع تاريخي وأركيولوجي فريد من نوعه. وفي إقليم تاوريرت نجد عيون طبيعية وغابات متنوعة بدبدو . أما إقليم جرادة فهو الآخر يتوفر على مؤهلات متنوعة أبرزها منتزه تكفايت بمياهه الوافرة وأشجاره المثمرة ومنتزه تيسوريين الغابوي ورأس عصفور، ثم منتزه الشخار والبحيرة الطبيعية بعين بني مطهر والتي تستقطب طيور مهاجرة من كل صوب.
المنابع الحرارية : تتوفر الجهة على حامة فزوان (بركان) ذات الفوائد العلاجية الكبيرة. وحامة سيدي شافي بتاوريرت وبنقاشور بوجدة وعين مسعودة بالناظور…
الموارد المالية : تعتبر الجهة مركزا ماليا هاما بفضل التحويلات المهمة لأفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج من أبناء المنطقة، حيث تتجاوز 60 مليار درهم. إلا أنه للأسف أغلب هذه الموارد المالية تتحول في الغالب إلى جهات أخرى مما يعني أن الجهة تفقد الكثير من إمكانياتها الاستثمارية.
الإنتاج الفلاحي : تحتل المنطقة مكانة هامة في مجال تربية المواشي على الصعيد الوطني، إذ يصل الإنتاج إلى مايناهز 3.000.000 من رؤوس الاغنام الأبقار والماعز.. أما مغروسات الفواكه فنجد الحوامض تسجل نسبة (14 ٪) من الإنتاج الوطني، كما تنتج المنطقة أنواع أخرى من الثمار كالزيتون والكروم واللوز والبرقوق وغيرها. وبخصوص الصيد البحري فتصل كمية الثروة السمكية المستخرجة من موانئ الجهة (الناضور، الدريوش) حوالي 13.000 طن،تبلغت قيمتها في بعض السنوات أكثر من 216 مليون درهم.

كانت هذه بعض الإمكانيات التي تزخر بها الجهة التي تزيد مساحتها عن دولة قطر بثمانية أضعاف، فهل غياب صقور يمثلون الجهة بالبرلمان والحكومة غير قادرين  على جلب استثمارات تنعش المنطقة ؟ أم أنهم مقتنعون بأن قدر المنطقة محكوم عليها بالتبعية ؟ فبحسب مركز “مالكوم كيركارنيغي للشرق الاوسط “فإن  عملية دمج المناطق الحدودية الشرقية في الاقتصاد الوطني  توجهها  ثلاث تحديات :
تتمثّل أولى التحديات في الوضع السياسي المتوتر بين المغرب والجزائر، التي لا تزال تداعياته  تؤثّر على قدرة الحكومة المغربية على تحفيز اقتصاد شرق البلاد، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بجذب الاستثمارات الكبرى التي تسعى إليها الرباط.
ويتمثل التحدي الثاني في أن تطبيق التغييرات الاقتصادية المترتبة على ذلك من دون تقييم أثرها على الحياة اليومية لسكان المجتمعات المحلية قد يؤدي إلى تفاوتات في التنمية، ويتسبب ببروز طبقية اجتماعية واحتكاكات. وبالتالي طفح مشكل آخر  جديد عوض المشكل القديم .
أما التحدي الثالث الذي تواجهه المناطق الحدودية الشرقية للمغرب فهو تغيّر المناخ. يهدّد التصحّر وندرة المياه، اللذان يؤثران على وجه الخصوص على الجزء الجنوبي من المناطق الحدودية الشرقية، حركية السكان والإنتاج الزراعي  في فجيج وتندرارة وبوعرفة، وغيرها.

ختاما .

تتطلع ساكنة الجهة الشرقية لرفع التهميش عن منطقتها ، واعطائها نفس الاهتمام الذي يحضى به القسم الشمالي الغربي للمملكة . ورغم طمأنة المسؤولين بالجهة و بالمركز لساكنة الشرق عبر  إنجاز مشاريع يمكن أن نقول عنها انها محفزة ونوعية ، كميناء غرب المتوسط  ، ومحطة الغاز المسال بالناظور، أوشركة  “الكابلاج” بوجدة… ، إلا أن  جنوب الجهة الممتد من جرادة حتى فكيك، سيبقى بعيد كل البعد عن إشعاع هذه المشاريع وستستمر معانات ساكنته إلى وقت لاحق  .

فمعدل البطالة المرتفع بجهة الشرق يكاد يصبح معطى هيكليا بالجهة التي تعاني في العقد الأخير من ارتفاع نسبة البطالة .
هذا الوضع، وفق أستاذ الاقتصاد بجامعة محمد الأول بوجدة في تصريحه لأحد القنوات “يسائل السياسات الجهوية التنموية لأن المشرع المغربي جعل الاستثمار وانعاش التشغيل من الاختصاصات الذاتية لمجالس الجهات. فالأخيرة مطالبة من خلال برنامج تنمية الجهة على بذل مجهودات استثنائية لتحفيز الاستثمار بالجهة، وخلق دينامية اقتصادية توفر فرص الشغل المستدامة للشباب.”