عبدالله ضريبينة –
في ظل التحولات التشريعية الجارية، وبروح المسؤولية الحقوقية والوطنية، أصدرت الأمانة العامة للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان ومكافحة الفساد بالمغرب، برئاسة الأمين العام الأستاذ عبد الرحمان الخنوس، بياناً تحذيرياً تعبر فيه عن قلقها العميق واستنكارها الشديد لتداعيات تعديل المادتين 3 و7 من قانون المسطرة الجنائية ضمن مشروع القانون 03.23، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل نكسة تشريعية تمس جوهر العدالة الجنائية وتهدد مسار محاربة الفساد وترسيخ الشفافية والحكامة الجيدة بالمملكة.
وأكد البيان أن تمرير هذا التعديل دون أي نقاش عمومي أو إشراك حقيقي للمجتمع المدني يُعد انتكاسة للمكتسبات الحقوقية والدستورية، خصوصاً وأن المادة 3 بصيغتها المعدلة تنزع من الجمعيات الحقوقية والمدنية صفة الطرف المبلّغ عن جرائم الفساد، مما يحصر هذا الدور الحاسم في يد النيابة العامة فقط، في تغييب واضح لمبدأ التشاركية والاستقلالية، ويحدّ بشكل خطير من فعالية المجتمع المدني في مراقبة المال العام والتصدي للاختلالات.
وفي السياق ذاته، حذر البيان من التعديلات الواردة في المادة 7، معتبراً أنها تفتح الباب أمام سقوط الدعوى العمومية في جرائم الفساد والمال العام لأسباب مثل العفو أو التقادم أو الوفاة، دون ضمانات كافية لحماية الحق العام، وهو ما يشجع على الإفلات من العقاب ويُفقد المؤسسات مصداقيتها أمام المواطنين.
وأضافت الأمانة العامة أن هذا المسار التشريعي لا يمكن اعتباره مجرد تعديل تقني، بل هو توجه مقلق يسعى إلى تحجيم دور المجتمع المدني الجاد وتمرير قوانين تخلق حصانة قانونية للمفسدين، بدل العمل على توسيع صلاحيات الهيئات الرقابية وتكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وارتباطاً بذلك، نبه البيان إلى أن هذه التعديلات تتناقض بشكل صريح مع مقتضيات الفصل 12 من الدستور المغربي، الذي يعترف بدور الجمعيات في تقييم وتتبع السياسات العمومية، ومع مقتضيات الفصل الأول الذي يقوم على الفصل بين السلط والتعاون بينها، والديمقراطية التشاركية، والحكامة الجيدة. كما أشار إلى التناقض الصارخ مع الفصل 36 من الدستور الذي يُصنف الرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ من ضمن الجرائم التي تستوجب الزجر لا التحصين.
وسجلت الأمانة العامة للمنظمة بأسف بالغ تصاعد مظاهر التضييق على الجمعيات والفاعلين المدنيين الجادين، من خلال محاولات التخويف أو المتابعة القضائية بدل الإنصات لمطالبهم المشروعة، مشيرة إلى أن هذه الأساليب تُعيد البلاد إلى منطق التحكم والانتقائية وتُسيء لصورتها أمام المنتظم الدولي.
كما اعتبرت المنظمة أن توقيت هذه التعديلات يتزامن مع اتساع رقعة الفساد الإداري والمالي في عدد من القطاعات الحيوية، دون أن تُقابلها إرادة حقيقية لتفعيل الآليات القانونية والزجرية، بل بالعكس، تم اللجوء إلى تقييد أهم أدوات الضغط المدني، في ازدواجية صارخة تجاه تطبيق القانون.
وبناء عليه، أعلنت الأمانة العامة للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان ومكافحة الفساد بالمغرب عن:
1. رفضها القاطع لمضمون وتوقيت وكيفية تمرير التعديلات المذكورة.
2. اعتبار هذه الخطوة تراجعاً تشريعياً خطيراً يُجهز على مكتسبات المجتمع المدني.
3. دعوة كافة القوى الحقوقية والسياسية والنقابية إلى التوحد في جبهة وطنية دفاعاً عن الرقابة المجتمعية، واسترجاع حق التبليغ والمساءلة.
4. الشروع في إعداد مراسلات رسمية إلى عدد من الهيئات الوطنية والدولية، بينها المجلس الأعلى للسلطة القضائية والمجلس الأعلى للحسابات والمجلس الوطني لحقوق الإنسان.
5. التأكيد على مواصلة النضال السلمي والحقوقي المشروع من أجل ضمان المحاسبة، وتخليق الحياة العامة، واحترام أدوار المجتمع المدني.
واختُتم البيان بتأكيد الأمين العام الأستاذ عبد الرحمان الخنوس على كون المنظمة ستبقى وفية لرسالتها في الدفاع عن المال العام، والوقوف مع كل من يفضح الفساد، والتصدي لمحاولات التضييق على الحقوق والحريات، وفاءً لروح الدستور والتزامات المغرب الدولية، وصوناً لكرامة المواطن وثقة المجتمع.
