بوشعيب هارة –
احتفل الشعب المغربي من طنجة إلى الكويرة، أمس الخميس 6 نونبر 2025، بكل فخر وإكبار، بالذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة، إحدى أعظم الملاحم الوطنية في مسلسل استكمال الوحدة الترابية للمملكة، والتي تجسد أروع صور التلاحم بين العرش العلوي المجيد والشعب المغربي الوفي.
ويُعد تخليد هذه المحطة التاريخية الكبرى، الزاخرة بالدروس والعبر، والغنية بالمعاني والقيم، مناسبة لاستحضار الأمجاد واستنهاض الهمم من أجل إعلاء صروح المغرب الحديث، تحت القيادة المستنيرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.
هذه الذكرى العظيمة التي لها وقعها الخاص، هي ذكرى الالتحام، ذكرى إزالة حدود الوهم، ذكرى استرجاع الحق ودحض البهتان. إنها سيرة ومسيرة، المسيرة الخضراء، مسيرة البناء وقافلة التجديد. وعلى الجميع الانخراط في هذه القافلة: قافلة الحب، وقافلة الأخوة، وقافلة الإحسان والنصح.
نعم، ثم نعم، الصحراء المغربية جزء من الكيان والوجدان، وهي قضية كل مغربي. وما أجملها من جملة قالها صاحب الجلالة – حفظه الله – في إحدى خطبه السامية: «الصحراء قضية وجود لا قضية حدود».
إن الجسد لا يتجزأ، والصحراء مغربية، بل كل ذرة من رمالها مغربية، وهذه حقيقة لا ينكرها إلا خائن أو حاقد. ولا فرق عند أي مغربي بين العيون والداخلة، وبين طنجة والدار البيضاء ومراكش والرباط وفاس وسائر مدن مغربنا الحبيب. ومن نعم الله أن المغاربة – رعاهم الله ورفع شأنهم – لا يقبلون المزايدة في هذا الأمر؛ قد يختلفون في قضايا عدة، وقد يناوش بعضهم البعض، لكن الصحراء توحّدهم.
وأيُّ عجبٍ أعجبُ من قول الخصوم، وأغربُ من فعلهم، فهو إلى الخيال أقرب، إذ لا ركيزة لهم في عالم الواقع، وإنما هي الأوهام تفعل فعلها، ولا تضرّ المتثبتين أوهامُ المتوهمين.
الصحراء مغربية، قُضي الأمر وسطع الحق وانبلج الفجر. لذا فإن الذكرى تدعونا اليوم إلى مزيد من الالتحام، ومزيد من الأخوة والثبات، لأن في الاتحاد قوة، وفي الاجتماع رحمة.
لقد شكّلت المسيرة الخضراء المظفرة محطة تاريخية ذات دلالات عميقة، تؤرخ لصفحات مشرقة من النضال الذي خاضه المغاربة، ملكًا وشعبًا، في مسيرة تحقيق واستكمال الوحدة الترابية. كما كانت حدثًا ملهمًا للأجيال في النضال من أجل إعلاء صروح المغرب الجديد، وتعزيز مكانته الرائدة بين الأمم والشعوب.
ومهدت هذه المسيرة المباركة لانطلاق مسلسل البناء والتنمية بالأقاليم الجنوبية للمملكة، حيث بدأت تعبئة وطنية حقيقية للنهوض بمختلف مجالات التنمية بهذا الجزء الأصيل من التراب الوطني، بغرض محو مخلفات المرحلة الاستعمارية، وتمكين هذه المناطق من الالتحاق بركب التنمية الشاملة على غرار باقي جهات المملكة.
وهكذا، يظل تخليد ذكرى المسيرة الخضراء، ومثيلاتها من الملاحم الوطنية في مختلف ربوع الوطن، خير سبيل لصيانة الذاكرة التاريخية الوطنية، والحفاظ على المنظومة القيمية لبلادنا، وغرسها في أفئدة الأجيال الجديدة لتتقوّى فيها الروح الوطنية والاعتزاز بالانتماء والهوية المغربية.
واليوم، تتواصل هذه الملحمة لإحباط مناورات خصوم الوحدة الترابية للمملكة، تحت القيادة الحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، إذ يقف المغرب ثابتًا في الدفاع عن حقوقه المشروعة، مستندًا إلى إجماع قواه الحية، ومؤكدًا للعالم أجمع إرادته القوية وتجنده الدائم دفاعًا عن مغربية صحرائه، وتمسكه بمبادرته الجادة لإنهاء النزاع الإقليمي المفتعل، الذي طال أمده جراء تعنت خصوم الوحدة الترابية ومناوئي حقوق المغرب المشروعة.
ومن ثمار الدينامية التنموية المتواصلة بالأقاليم الجنوبية، ذلك الورش المفتوح من المنجزات الكبرى، الذي جعل هذه الربوع تسجل أدنى معدلات الفقر والفوارق الاجتماعية، وأفضل النتائج في مجالات الخدمات الاجتماعية والصحية والسكن، وأعلى نسب نمو للناتج الداخلي الخام، وأحسن أداء لسوق الشغل، مما يعزز بشكل مطّرد جاذبيتها الاقتصادية.
وبفضل هذه الدينامية، أضحت الأقاليم الجنوبية تتوفر على كل المقومات الكفيلة بتنزيل الجهوية الموسعة التي يريدها جلالة الملك أن تكون نقلة نوعية في مسار الديمقراطية المحلية، في أفق جعل هذه الأقاليم نموذجًا للجهوية المتقدمة، بما يعزز تدبيرها الديمقراطي لشؤونها المحلية، ويزيد من إشعاعها كقطب اقتصادي وطني، وصلة وصل بين المملكة وعمقها الإفريقي.
