أبو رضى –
لم تكن مدينة توري باتشيكو، الواقعة في إقليم مورسيا جنوب شرق إسبانيا، على موعد مع العنف، لكن حادثًا منفردًا تحول بسرعة إلى أزمة اجتماعية مشحونة بالكراهية، بعد أن استغلته جماعات اليمين المتطرف لإشعال فتيل المواجهة مع أبناء الجالية المغاربية، خصوصًا المغاربة الذين يشكلون ركيزة أساسية في النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة.
انطلقت شرارة التوتر بعد تعرض مسن إسباني يُدعى دومنغو (68 عامًا) لاعتداء عنيف من قبل ثلاثة شبان مجهولين، تسبب له في إصابات جسدية، وانتشر مقطع الفيديو بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي، ما فجّر موجة غضب عارمة. وبينما كانت التحقيقات جارية، سارعت جهات متطرفة إلى تحميل المهاجرين من شمال إفريقيا، وتحديدًا المغاربة، مسؤولية الاعتداء، وهو ما أشعل فتيل الاحتقان.
تحولت شوارع توري باتشيكو خلال ثلاثة أيام إلى ساحة مفتوحة للمطاردات والاعتداءات، حيث شهدت مواجهات بين شبان مهاجرين وغاضبين من اليمين المتطرف، وصلت إلى رشق الشرطة بزجاجات حارقة ومقذوفات، وأسفرت عن توقيف عشرة أشخاص على الأقل.
وفي مشاهد صادمة وثقتها الكاميرات، شوهدت مجموعات متطرفة تجوب الأحياء الشعبية حاملين العصي والأسلحة البيضاء بحثًا عن مهاجرين، متحدّين وجود قوات الأمن. وفي إحدى الحالات، تعرّض شاب مغربي لهجوم داخل سيارته، نجا منه بأعجوبة بعد تدخل عناصر الشرطة.
في خضم هذا التوتر، خرج المسؤولون المحليون لمحاولة امتصاص الغضب. دعا رئيس منطقة مورسيا، فرناندو لوبيز ميراس، إلى “الهدوء ووقف العنف فورًا”، مؤكدًا أن “الإحباط لا يبرر الانفلات”. كما حاول رئيس بلدية توري باتشيكو، بيدرو أنخيل روكا، التمييز بين “المجرمين” و”المهاجرين الشرفاء الذين قدموا للعمل”، لكن كلماته لم تمنع تصاعد الاحتقان.
من جهتها، وجهت وزيرة الشباب الإسبانية، سيرا ريغو، أصابع الاتهام مباشرة إلى اليمين المتطرف، واتهمته بتأجيج الشارع والتحريض على العنف ضد المهاجرين، واصفة ما يحدث بأنه “ملاحقات عنصرية لا يمكن السكوت عنها”.
أعربت الجمعية المغربية لدمج المهاجرين عن إدانتها الشديدة لما وصفته بـ”الهجمات العنصرية المتكررة”، مطالبة السلطات الإسبانية بـ”توفير حماية حقيقية للمهاجرين”، وضمان الأمن في الشوارع، خصوصًا في ظل تقاعس بعض الأجهزة عن التعامل الصارم مع التحريض والتخويف الجماعي.
ولا تقتصر خطورة المشهد على أحداث العنف، بل تمتد إلى التبعات النفسية والاجتماعية على الجالية المغربية، التي تُشكّل نحو 30% من سكان توري باتشيكو، وتساهم بشكل مباشر في إنعاش القطاع الزراعي، وتعتبر جزءًا أصيلًا من المجتمع المحلي، حيث يقيم العديد منهم في المدينة منذ أكثر من عشرين عامًا.
في الخلفية، تظهر نتائج استطلاع رأي أجرته مؤسسة “يوغوف” تشير إلى أن 80% من الإسبان يرون أن نسبة الهجرة في البلاد مرتفعة جدًا، وهي نسبة تعكس تنامي مشاعر القلق والهواجس المرتبطة بالهجرة، والتي تحاول بعض الأحزاب توظيفها لأغراض انتخابية.
ما جرى في توري باتشيكو لا يُمكن التعامل معه كحادث عرضي، بل هو نموذج مقلق لتنامي خطاب الكراهية في المجتمعات الأوروبية، خاصة حين يُستغل حادث معزول لتبرير موجات عنف جماعية تستهدف فئة كاملة من السكان.
فهل تتحرك الحكومة الإسبانية بحزم لحماية المهاجرين وتطويق خطابات التحريض؟ أم أن “الاعتداء على دومينغو” سيظل ذريعة مفتوحة لمزيد من التصعيد؟
في كل الحالات، تبقى سلامة العيش المشترك وحقوق الإنسان على المحك في مورسيا… وربما في إسبانيا كلها.
