عبد الله ضريبينة –
يشكّل مشروع القانون رقم 03.23 المتعلق بالمسطرة الجنائية بالمغرب نقلة نوعية في مسار تحديث المنظومة القانونية، حيث أتى بتعديلات جوهرية تروم تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، حماية حقوق الأفراد، وتكريس مبادئ الحكامة القضائية. في انسجام تام مع مقتضيات الدستور المغربي والتزامات المملكة الدولية، سعى المشروع إلى إعادة هيكلة الإجراءات الجنائية بمقاربة تضع المواطن في قلب الاهتمام القضائي. فالمشروع رسّخ، أولاً، رقابة قضائية موسعة على عمل الشرطة القضائية، عبر إخضاعها لتوجيهات ومراقبة السلطات القضائية، وتحديد مسار تعيين ضباطها بقرار مشترك بين رئاسة النيابة العامة والسلطة الحكومية المختصة، مع إحداث فرق وطنية وجهوية متخصصة، بما يعزز فعالية التحقيقات ويحد من الانتهاكات. ثانيًا، برز البعد الحقوقي بشكل جلي في النص، من خلال إجراءات وقائية صارمة ضد التعذيب وسوء المعاملة، من بينها إلزامية الفحص الطبي للمحتجزين عند وجود علامات مرضية أو إصابات، وعدم قانونية أي اعتراف يُنتزع دون توفر هذا الفحص. كما عزز المشروع حقوق الدفاع عبر منح المحامي آجالًا معقولة للاطلاع على الملف، وفرض حضوره الإجباري في بعض الحالات الحساسة، وتوثيق التصريحات بالصوت والصورة ضمانًا للشفافية. من جهة أخرى، عكست التعديلات توجها واضحًا نحو العدالة التصالحية، من خلال توسيع مجال الصلح وإدراج الوساطة الجنائية كآلية بديلة لحل النزاعات الجنائية خارج المحاكم، مما يخفف العبء القضائي ويوفر حلولًا أكثر مرونة. وعلى مستوى التحديث، اعتمد المشروع الرقمنة في الإجراءات القضائية، وطور آليات رد الاعتبار وإعادة الإدماج الاجتماعي، كما منع حضور النيابة العامة أثناء المداولات حفاظًا على استقلالية القضاة. وفي بُعده الإنساني، أولى المشروع أهمية خاصة لحماية الضحايا، بإلزام الإشعار بمآل الشكايات وتوفير الدعم النفسي والطبي، خصوصًا في قضايا الاتجار بالبشر والعنف الأسري، وتعزيز دور المساعدة الاجتماعية.
إن مشروع القانون 03.23، بما يتضمنه من مستجدات، لا يكتفي بتقويم الأعطاب المسطرية، بل يؤسس لعدالة جنائية جديدة ترتكز على الحقوق، الكرامة، والنجاعة، في إطار من التوازن بين متطلبات الأمن والحرية، ويعبّر عن إرادة حقيقية لإصلاح قضائي عميق وشامل.
