افتتاحية الرأي : عندما تُصبح المسؤولية غنيمة.. سقوط القناع وأزمة الضمير التدبيري

يسير البلغيتي27 أغسطس 2026آخر تحديث :
افتتاحية الرأي : عندما تُصبح المسؤولية غنيمة.. سقوط القناع وأزمة الضمير التدبيري
افتتاحية الرأي : عندما تُصبح المسؤولية غنيمة.. سقوط القناع وأزمة الضمير التدبيري

يسير البلغيتي

لم تكن تصريحات فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، مجرد توصيف عابر لأزمة ظرفية، بل جاءت بمثابة إعلان صريح عن صفعة لواقع تدبيري مأزوم. وحين يخرج مسؤول بهذا الوزن التنفيذي والمالي ليؤكد أن مناصب القرار تحولت إلى «غنيمة يُسعى إلى اصطيادها»، فإن مثل هذا الخطاب يتجاوز حدود التنبيه ليصل إلى مستوى القرع الشديد لطبول الخطر.

إن توصيف المسؤولية بـ”الغنيمة” يمثل تعرية فاضحة لثقافة الريع التي استشرت في شرايين بعض المسؤولين والسياسيين على حد سواء. فقد تحوّل التكليف الوطني، لدى فئات لا ترى في العمل العام سوى فرصة للاغتناء وتوسيع النفوذ والاستفادة من الصفقات، إلى نوع من “الاستثمار الشخصي” المنزوع من الأخلاق والضمير.

إن المأساة لا تكمن فقط في وجود “صيادي الغنائم”، بل في البيئة التي سمحت لهم بالتكاثر والانتعاش؛ بيئة تتغذى على غياب الشفافية، والتملص من الرقابة، والمطاطية في تفعيل المبدأ الدستوري الأصيل: ربط المسؤولية بالمحاسبة.

لقد شبع الشارع المغربي من التوصيفات الرنانة والاعترافات المتأخرة. فالإقرار بوجود الخلل لم يعد فضيلة إذا لم تتبعه إجراءات وقرارات حازمة تضع حداً لممارسات الريع. إن الحديث عن «الغنيمة» يقتضي، منطقياً، الحديث عن المساءلة والمحاسبة، وإلا تحولت هذه التصريحات إلى مجرد صيحة في وادٍ، تُضاف إلى أرشيف الخطابات التي تشخّص الداء دون أن تقدم العلاج.

إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في فضح «صيادي المناصب»، بل في منع استغلال مواقع المسؤولية للوصول إلى المال العام أو النفوذ غير المشروع. إنها لحظة حاسمة لإعادة الهيبة إلى المرفق العمومي؛ فإما أن تكون المسؤولية تكليفاً يُحاسَب عليه المرء أمام القانون والضمير، وإما أن نعلن صراحة تسليم المفاتيح لطقوس الغنيمة والاستنزاف.

لا خيار ثالث بين النزاهة والريع، والوقت لم يعد يسمح بالتفرج.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.