ديسبريس –
تفتح المبادرة الملكية المغربية الرامية إلى تمكين دول الساحل من منفذ على المحيط الأطلسي أفقًا جديدًا لإعادة ترتيب موازين التجارة واللوجستيك في غرب إفريقيا، في سياق إقليمي يتسم باضطراب الممرات التقليدية وهشاشة سلاسل الإمداد. فالدول غير المطلة على البحر، وفي مقدمتها مالي وبوركينا فاسو والنيجر، ظلت لسنوات رهينة مسالك محدودة تعيق انفتاحها الاقتصادي وتزيد من كلفة المبادلات التجارية.
وتكشف دراسات حديثة صادرة عن مراكز بحثية متخصصة في الشأن الإفريقي أن الاعتماد المفرط على عدد ضيق من الممرات البرية والسككية جعل اقتصادات الساحل عرضة للاختناقات المتكررة، سواء بسبب التوترات الأمنية أو التحولات السياسية، وهو ما انعكس سلبًا على تدفق السلع وحركية الأشخاص وتوفير الخدمات الأساسية.
ضمن هذا المشهد المعقد، يبرز المغرب كفاعل إقليمي يمتلك مؤهلات جيو-اقتصادية وازنة، مدعومة بواجهة أطلسية ممتدة ومنظومة مينائية حديثة ومتطورة. وتقوم المبادرة الملكية على استثمار هذه المقومات لفك العزلة الجغرافية عن دول الساحل، عبر توفير ولوج بحري منتظم وآمن، يضمن استمرارية المبادلات التجارية ويقلل من كلفة المخاطر اللوجستية.
وقد تعزز هذا التوجه خلال لقاء احتضنته الرباط في أبريل 2025، جمع جلالة الملك محمد السادس بوزراء خارجية بوركينا فاسو ومالي والنيجر، حيث جرى التأكيد على الإرادة المشتركة لتسريع تنزيل هذا المشروع الاستراتيجي. ويأتي ذلك في امتداد لقرار المصادقة الرسمية على المبادرة في دجنبر 2023، بما يعكس انتقالها من مستوى التصور إلى حيز التنفيذ العملي.
في المقابل، لا تزال منطقة الساحل تواجه تحديات بنيوية عميقة، يتجلى بعضها في تعطل خطوط نقل حيوية بفعل الأوضاع الأمنية، كما هو الحال بالنسبة للسكك الحديدية الرابطة بين بعض المدن الاستراتيجية، الأمر الذي أدى إلى اضطرابات متكررة في الإمدادات وتعقيد وصول السلع والخدمات.
كما تعاني الممرات البرية البديلة، التي تربط دول الساحل بموانئ غرب إفريقيا، من اختلالات مزمنة مرتبطة بضعف البنية التحتية، وعدم الاستقرار السياسي، وتراجع أداء النقل السككي، في وقت يظل فيه النقل الجوي خيارًا محدود الفعالية بسبب تكلفته المرتفعة.
أمام هذه المعطيات، تكتسي المبادرة المغربية طابعًا استراتيجيًا متقدمًا، باعتبارها لا تطرح فقط بديلاً لوجستيًا، بل تقدم رؤية شمولية لتعزيز الاندماج الإقليمي، وتأمين الممرات التجارية، وتقوية مناعة الاقتصادات الساحلية في مواجهة الأزمات.
ومن خلال تموقعه في صلب هذه الدينامية، يعزز المغرب حضوره كرافعة للاستقرار والتنمية في غرب إفريقيا، ويكرس دوره كشريك موثوق يسهم في بناء منظومة تجارية أكثر توازنًا واستدامة، قادرة على فتح آفاق جديدة للنمو أمام دول الساحل، خارج منطق العزلة والهشاشة.
