عبدالله خباز
تارودانت ، المدينة التي طالما عرفت بأمنها الكبير و هدوئها الفريد ، و التي كانت إلى وقت قريب عنوانا للاستقرار و السكينة ، وجدت نفسها ليلة أمس الأربعاء 1 أكتوبر 2025 ، في قلب عاصفة من الفوضى و الانفلات الأمني ، بعدما تحولت مسيرة سلمية بساحة 20 غشت إلى أحداث دامية و أعمال شغب غير مسبوقة .
المشهد بدأ بتجمع احتجاجي رفع فيه الشباب شعارات سلمية في إطار ما بات يعرف باحتجاجات “جيل Z” التي تشهدها عدة مدن مغربية ، غير أن الأمور سرعان ما انقلبت رأسا على عقب بعد اندساس عناصر مخربة وسط المحتجين ، لتتحول الأجواء الهادئة إلى معركة مفتوحة بين المتظاهرين و رجال الأمن .
رجال القوات المساعدة و الأمن ، الذين كانوا قلة في الميدان ، وجدوا أنفسهم أمام هجوم مباغت بالحجارة و العصي و القضبان الحديدية ، ما أسفر عن إصابات خطيرة في صفوف عدد منهم ، بل إن بعضهم سقط مغمى عليه لولا تدخل مواطنين شرفاء سارعوا لإنقاذهم وحمايتهم داخل محلات تجارية مجاورة . شهادات من الساكنة أكدت أن ما جرى كان أشبه بكابوس يهدد الأرواح و يضرب الاستقرار في الصميم .
لم يتوقف الأمر عند الاشتباكات مع الأمن ، بل امتدت أيادي التخريب لتطال الممتلكات العامة و الخاصة : سيارات الشرطة أُحرقت ، علامات السير و الإنارة العمومية تم تكسيرها ، حدائق المدينة جرى تدمير عدد من أشجارها و أنابيب سقيها ، إشارات المرور اقتلعت و رميت في الطرقات ، و الإطارات المطاطية أشعلت في الشوارع الرئيسية . حتى مقر عمالة الإقليم لم يسلم من الهجوم ، فقد قام بعض الفوضويين بإضرام النار ببابها ، في سابقة خطيرة أذكت مخاوف السكان و زادت من حجم الرعب الذي خيم على المدينة .
إضافة إلى ذلك ، جرى اقتحام مكتب الإرشاد السياحي و تكسير واجهته و نهب تجهيزاته ، في ضرب صارخ لصورة تارودانت كوجهة سياحية تاريخية .
العديد من ساكنة المدينة ، الذين تابعوا الأحداث أصيبوا بذهول ، وأكدوا للجريدة أن أغلب العناصر التي قادت أعمال الشغب لم يكونوا من أبناء تارودانت ، بل غرباء جاؤوا من خارجها ، و هو ما عمق إحساس الغبن لدى الساكنة التي لم تعتد على مثل هذه المشاهد . المدينة التي كانت إلى الأمس القريب آمنة و هادئة تحولت في ساعات قليلة إلى ساحة حرب مصغرة ، في مشهد يندى له الجبين .
لا أحد يجادل في أن المطالب الاجتماعية و الاقتصادية لفئة الشباب مشروعة ، و أن صوت الاحتجاج جزء من حق التعبير السلمي الذي يكفله الدستور ، لكن تحويل الساحات العامة إلى ميادين للفوضى و التخريب لا يخدم إلا أجندات دخيلة تسيء للوطن قبل المدينة . كما أن استعمال العنف ضد رجال الأمن الذين يؤدون واجبهم الوطني ، و تهديد ممتلكات المواطنين و مؤسسات الدولة ، لن يفتح باب الحلول ، بل يزيد من تأزيم الوضع .
و من جهة أخرى ، على السلطات أن تدرك أن معالجة جذور الاحتقان لا تكون فقط عبر المقاربة الأمنية ، بل بتقوية قنوات الحوار و الإنصات ، و تقديم حلول واقعية لمشاكل الشباب . فالأحداث أثبتت أن الفراغ الاجتماعي و الاقتصادي يظل أرضية خصبة لكل اختراق فوضوي .
ليلة الأربعاء السوداء ستبقى جرحا غائرا في ذاكرة تارودانت ، المدينة التاريخية التي لطالما كانت نموذجا في الأمن و الاستقرار . و ما وقع لا يشرفها و لا يشرف الوطن ، و يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل الاحتجاجات و أفق معالجتها .
المطالب يمكن أن تتحقق بالسلم و الحوار ، أما العنف و التخريب فلن يجلبا إلا الدمار و فقدان الثقة . والرسالة الأهم: لا أحد فوق الوطن ، و مصلحة المغرب و أمنه يجب أن تبقى خطا أحمر .
