عبدالصمد صدوق-
يعد أحيدوس أحد أنماط الفن الغنائي الأمازيغي ، في مقدمة الألوان الشعبية التي تزخر بها الثقافة الامازيغية الغنية ، قديما و حديثا ، و الذي ساهم بشكل كبير في إغناء التراث الشعبي المغربي ، عبر مر التاريخ ، حيث أضفى على الجانب الفني لمسة جمالية خاصة و فريدة تتجلى في التعبير عن روح الجماعة و التضامن المشترك ، والعمق الإنساني ، و ما يتجشمه من عناء و وعثاء الحياة ، و قساوة العيش ، إضافة إلى حب الطبيعة، و يستطيع من خلاله أن يبعث رسائل أليمة في قالب غنائي موزون ، تستجيب لها قلوب الجميع ، بتجاوب كبير ..
إن تعريف “أحيدوس” بآختصار هو لون غنائي شعبي ، تختلف تسميته حسب اللهجة المحلية ، لكل منطقة فمثلا في سوس يطلق عليه “أحواش” و في الريف يسمونه ” إمديازن” أي الشعراء ، و يتشكل من حلقة دائرية ، مكونة من جماعة من الأفراد يغنون بشكل جماعي ، منه المختلط وهو ما عرف بالأطلس المتوسط ، أي تشارك فيه رجال و نساء ، ويصاحب ذلك إيقاعات منسجمة للدفوف والطبول .
ملامح أحيدوس من حيث الأزياء :
يلبسون عادة زيا موحدا ، قد يكون جلباب صوفي أبيض في الغالب ، أو سلهام ، مع طربوش أو عمامة بيضاء ، إضافة إلى حذاء البلغة الصفراء و جوارب بيضاء ..و يوشى صدور أفراد المجموعة بحشيات تضم أقراصا معدنية صغيرة للتزيين ، و يعلقون حقائب جلدية من صنع محلي ، ويتمنطقون بخناجر لون أغمادها أصفر ذهبي ، تلك هي الأكسسورات الأساسية لنمط أحيدوس ..
و يتزعم المجموعة واحد من بينهم ، يعدونه بمثابة رئيس الفرقة ، و هو الذي يدير شؤونها ، و يتولى مهمة إختيار الأهازيج ، و تقديمها وعرضها مقدما ، بشكل فردي بصوته الرنان ، ليردد على إثره الجميع ، في إيقاع واحد متطابق ..
أحيدوس من الناحية الحركية :
هو تعبير جسدي ، ينسجم مع الإيقاع الغنائي ، سواء السريع أو البطيء ، في تناسق تام للحركات ، التي يتم توظيفها تماشيا مع طبيعة الإيقاع ، من خلال الإهتزاز بالأكتاف و الإسترسال و الهبوط و الإرتقاء ، و التماوج ، و الإندفاع وثني الركاب و التنقل بخطى موازية ، في منحى دائري .
أحيدوس من الناحية التاريخية :
لا يمكن تحديد تاريخ دقيق و مضبوط ، لبروز هذا النمط الغنائي الشعبي ، بوجه عام ، نظرا لقدمه و تعذر وجود الشواهد المكتوبة و المخطوطات القديمة ، و المرجعيات التاريخية ، التي تحدد و تؤكد بدقة إرهاصات هذا اللون الشعبي ، و بوادر ظهوره . إلا من روايات شفوية تداولت فيما بعد و آستطاعت أن تدون تاريخا شكليا له.
الرواد : إن رواد هذا الفن الأمازيغي العريق ، قد عرفوا فيما بعد بكونهم الفئة المساهمة في إحياء و بعث هذا النموذج الغنائي ، المصنف ضمن التراث اللامادي، الذي ظل هامشيا ، بلا قواعد ولا نظم ولا تطور و لا إنتاج ، على ممر العصور .
وكان أول من عرف من الرواد موحى الحسين أشيبان ، المزداد عام 1905ميلادية ، وكان من بين المولعين بهذا الفن الغنائي الأصيل ، و الذي ساهم بشكل كبير في تطويره وتقدمه حتى فرض مكانته بين الألوان الشعبية الأخرى ، و قد مني هذا اللون الشعبي ، مع مرور الوقت بشهرة كبيرة ، و ذاع صيته في مبتدأ العشرينيات من القرن الماضي ، واستطاع بفضل هذا الرجل ان يراكم هذا الفن أوج ازدهاره ، و أصبح معروفا ، إضافة إلى أنه صار إرثا فنيا و ثقافيا يتداول بشكل كبير عبر الأجيال ..
