حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

عبدالله خباز-

في كل صباح، تتجه آلاف الأقدام الصغيرة نحو المدارس، حاملة حقائب أثقل من أعمارها و أحلاما أكبر من قدرتها على الإحتمال. لكن، في المقابل، تختار أقدام أخرى طريقا مختلفا: مقهى قريب، زقاق جانبي، أو ركنا مهملا بعيدا عن أعين المراقبة. هناك، يبدأ يوم “دراسي” من نوع آخر. ليس الأمر صدفة، و ليس مجرد كسل عابر، بل مؤشر مقلق على خلل أعمق يتجاوز فكرة الغياب إلى سؤال أكبر: لماذا لم يعد التلميذ يريد الذهاب إلى المدرسة؟

الغياب المدرسي لم يعد حالات فردية معزولة، بل تحول إلى سلوك شبه عادي في عدد من المؤسسات التعليمية، خصوصا في المدن المتوسطة و الصغرى. لم يعد التلميذ يشعر بأن المدرسة فضاءه الطبيعي، بل أصبح ينظر إليها، في كثير من الأحيان، كعبء ثقيل أو مكان فاقد للمعنى. و هذا التحول لا يمكن تفسيره بتبسيط مخل يرجع كل شيء إلى “إهمال التلاميذ” أو “ضعف انضباطهم”، لأن الحقيقة أكثر تعقيدا و إحراجا.

لا شك أن الأسرة تتحمل جزءا من المسؤولية. فضعف التتبع اليومي، و انشغال بعض الآباء و الأمهات، أو حتى غياب الوعي بأهمية المراقبة المستمرة، كلها عوامل تفتح الباب أمام التلميذ للغياب دون حسيب أو رقيب. بل إن بعض الأسر، عن غير قصد، تساهم في تكريس هذا السلوك حين لا تطرح السؤال البسيط: “هل ذهبت إلى المدرسة اليوم؟”. و مع ذلك، فإن تحميل الأسرة وحدها المسؤولية ليس سوى هروب مريح من مواجهة أعطاب أعمق داخل المنظومة.

المدرسة نفسها مطالبة بوقفة صريحة مع الذات. كيف يمكن إقناع تلميذ بالجلوس لساعات طويلة في قسم مكتظ، يتلقى دروسا بأساليب تقليدية لا تثير فضوله و لا تحفز تفكيره؟ كيف يمكن الحديث عن الإنضباط في بيئة قد يشعر فيها التلميذ أحيانا بالتهميش أو بعدم التقدير، بل و حتى بالإهانة في بعض الحالات؟ حين تفقد المدرسة جاذبيتها، لا يعود الغياب إنحرافا، بل يصبح رد فعل طبيعيا، أو لنقل: إنسحابا صامتا من تجربة لم تعد تقنع.

الأخطر من ذلك أن هذا الغياب لا يترك فراغا، بل يملؤه الشارع. هناك، تتشكل بدائل خطيرة: جلسات طويلة في المقاهي، إحتكاك برفاق السوء، و انزلاق تدريجي نحو سلوكيات قد تبدأ بسيطة و تنتهي بما لا تحمد عقباه. في هذه اللحظة، لا تخسر المدرسة تلميذا فقط، بل يخسر المجتمع أحد أفراده المحتملين، و يبدأ مسار آخر قد يكون أكثر كلفة على الجميع.

المشكلة، في جوهرها، ليست في الغياب كفعل، بل في ما يكشفه من إختلال في العلاقة بين التلميذ و المدرسة و الأسرة. نحن أمام حلقة مفككة: أسرة لا تواكب بما يكفي، مدرسة لا تجذب بما يكفي، و محيط إجتماعي يفتح أبوابا موازية أكثر إغراء و أقل التزاما. و بين هذه الأطراف، يضيع التلميذ، أو يختار ببساطة أن يغيب.

إن الإكتفاء بحلول ترقيعية، من قبيل تشديد المراقبة أو فرض عقوبات، لن يعالج أصل الداء. لأن السؤال الحقيقي ليس: كيف نمنع التلميذ من الغياب؟ بل: لماذا لم يعد يرغب في الحضور؟ حين يطرح هذا السؤال بجرأة، فقط يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي يعيد للمدرسة معناها، و للتلميذ رغبته، و للتعليم قيمته.

في النهاية، الغياب المدرسي ليس مجرد أرقام تدون في سجلات الإدارة، بل قصص ضياع محتملة تكتب خارج أسوار المدرسة. و إذا استمر تجاهل هذا الجرس الذي يرن كل يوم، فقد نستيقظ يوما على واقع أكثر قسوة: جيل غائب… حتى و هو حاضر.