
باريس والرباط: من “الفتور الكبير” إلى “المعاهدة التأسيسية”
بوشعيب هارة
بعد سنوات من التجاذب الصامت و”حرب التأشيرات” وإعادة ترتيب الأولويات، يستعد المغرب و فرنسا لتدشين مرحلة لا تكتفي بترميم الماضي، بل تصمم مستقبلاً مشتركاً تحت مسمى “المعاهدة التاريخية”. هذه الخطوة، التي تسبق زيارة الدولة للملك محمد السادس، تمثل “إعادة ضبط” (Reset) شاملة للعلاقات.
لم تكن المعاهدة لتولد لولا التحول الجوهري في الموقف الفرنسي تجاه قضية الصحراء المغربية. باريس أدركت أن المرور إلى “المستقبل” مع الرباط يتطلب وضوحاً كاملاً في ملف الوحدة الترابية. هذا الاعتراف حوّل فرنسا من “حليف تقليدي” إلى “شريك استراتيجي وجودي”.
المعاهدة المرتقبة لن تقتصر على التبادل التجاري، بل ستمتد لتشمل:
المبادرة الأطلسية: حيث ترى فرنسا في المغرب بوابتها الأكثر استقراراً وموثوقية نحو أفريقيا الغربية.
الأمن الطاقي: التعاون في مجالات الهيدروجين الأخضر والطاقة النووية السلمية، مما يجعل المغرب خزان طاقة لأوروبا عبر المظلة الفرنسية.
في ظل الاضطرابات التي تشهدها منطقة الساحل والصحراء، يبرز التنسيق المغربي الفرنسي كصمام أمان وحيد لمواجهة التهديدات العابرة للحدود. المعاهدة الجديدة قد تتضمن بنوداً غير مسبوقة في التعاون العسكري ونقل التكنولوجيا الدفاعية.
نحن أمام الخيارين معاً. هو تحالف أقوى لأنه مبني على “الندية” (Win-Win) وليس على التبعية التقليدية، وهو مرحلة مختلفة كلياً لأنها تنهي “الغموض الدبلوماسي” الذي طبع العقد الأخير.
إن ما يُطبخ في كواليس الرباط وباريس هو “عقد زواج سياسي” جديد، يضع في اعتباره التغيرات الدولية الكبرى. باريس تريد استعادة نفوذها في القارة السمراء عبر “المفتاح المغربي”، والرباط تريد شريكاً أوروبياً بوزن “عضو دائم في مجلس الأمن” يدعم طموحاتها الإقليمية دون تحفظ.
هل نحن أمام تحالف أقوى من أي وقت مضى؟ أم بداية مرحلة سياسية مختلفة كلياً؟ الأيام القادمة لن تحمل فقط “صوراً بروتوكولية”، بل ستكشف عن بنود معاهدة قد تُغير موازين القوى في حوض المتوسط.
