عبدالله خباز
ليس مألوفا أن يتحول هدف استعراضي إلى علامة مسجلة في بطولة قارية كبرى، لكن أيوب الكعبي نجح في كسر هذا المنطق، حين جعل من الضربة المقصية بصمة فنية تلازمه أينما حل، إذ في كأس إفريقيا للأمم 2025 المقامة حاليا بالمغرب، أعاد مهاجم “أسود الأطلس” التأكيد على فرادته، مثبتا أن الجمال في كرة القدم يمكن أن يكون حاسما بقدر ما هو ممتع، و أن الإبداع حين يتكرر يتحول إلى هوية كاملة لا تخطئها العين.
بداية الكعبي في هذه النسخة جاءت مع أولى لحظات الحسم، حين دون حضوره في مباراة الافتتاح أمام جزر القمر، بهدف أنيق من مقصية محكمة، لم يحتج معها سوى دقائق قليلة بعد دخوله بديلا ليؤكد فعاليته.
و بعد لقاء ثان غابت فيه اللمسة الأخيرة، عاد المهاجم المغربي ليهز الشباك بالطريقة ذاتها أمام زامبيا، مسهما في حسم صدارة المجموعة الأولى لصالح المنتخب الوطني، في مباراة عكست الوجه الأقوى للمغرب خلال دور المجموعات، و رسخت مكانته كأحد أبرز المرشحين للقب.
هذا التألق لم يكن وليد الصدفة، فالكعبي اعتاد منذ سنوات على طرق الشباك بأسلوب غير تقليدي، جعله محل إشادة المتابعين داخل المغرب و خارجه، إذ من الوداد الرياضي، حيث سجل في موسم واحد أربع ضربات مقصية، إلى مشاركاته الدولية التي شهدت أهدافا استثنائية بالطريقة ذاتها، رسخ اللاعب صورة المهاجم القادر على قراءة وضعية الكرة و اتخاذ القرار في جزء من الثانية، مستندا إلى مرونة بدنية عالية و حس تهديفي نادر.
وراء هذه الأهداف البديعة، تختبئ مسيرة إنسانية ملهمة، بدأت من أحياء الدار البيضاء الشعبية، حيث عاش الكعبي طفولة صعبة اضطر خلالها إلى مغادرة مقاعد الدراسة مبكرا، و العمل في مهن شاقة لمساعدة أسرته، غير أنه، و رغم بدايته الاحترافية المتأخرة، شق طريقه بثبات من الراسينغ البيضاوي إلى نهضة بركان، ثم الوداد، قبل أن يخوض تجارب خارجية صقلت شخصيته، و جعلت منه مهاجما ناضجا قادرا على التكيف مع أعلى المستويات.
و مع أولمبياكوس اليوناني، بلغ الكعبي ذروة توهجه، حين قاد فريقه إلى إنجازات أوروبية تاريخية، بأهداف حاسمة حملت بصمته الخاصة، و توجت بهدف لا ينسى في نهائي قاري، جعله أول لاعب مغربي يسجل في نهائي مسابقة أوروبية. هذا المسار أعاده بقوة إلى صفوف المنتخب الوطني، ليؤكد في “الكان” أن القادم من الهامش قادر على صناعة المجد، و أن المقصية لم تعد مجرد حركة فنية، بل عنوانا لمسيرة لاعب آمن بحلمه حتى النهاية.
