حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

 

عبدالله خباز

تشهد عدة حواضر مغربية خلال الآونة الأخيرة انتقالا متسارعا نحو تفعيل منظومة “الأمن الذكي”، بعد شروع السلطات في تركيب شبكات متطورة من كاميرات المراقبة عالية الدقة فوق أعمدة الشوارع و المدارات الرئيسية. هذه الخطوة تأتي في سياق رؤية أمنية تعتمد على التكنولوجيا الحديثة للحد من عدد من الظواهر الإجرامية التي باتت تقلق المواطنين، خصوصا جرائم النشل و السرقة و الاعتداءات في الفضاء العام، إضافة إلى الاستعداد لاستقبال ملايين الجماهير المنتظرة خلال نهائيات كأس إفريقيا للأمم “المغرب 2025”.

و قد شملت العملية عدة مدن كبرى من بينها: الرباط، الدار البيضاء، طنجة، فاس، أكادير، و مراكش. و تم اختيار هذه المدن بالنظر إلى كثافتها السكانية و حركتها الاقتصادية و السياحية، إضافة إلى كون بعضها سيحتضن مباريات “الكان”، ما يستدعي رفع درجة المراقبة و الجاهزية الأمنية.

و ترتكز هذه المنظومة التقنية على كاميرات عالية الدقة يرجح أن لها قدرة على التعرف على الوجوه و لوحات السيارات، و تعمل بشكل متصل مع مراكز قيادة متخصصة تعتمد على تحليل الصور و الفيديوهات في الزمن الحقيقي. و يسمح هذا النظام الجديد برصد التحركات المشبوهة و تتبع الأشخاص المطلوبين أو المتورطين في أعمال إجرامية، و تسريع تدخل الفرق الأمنية بشكل كبير مقارنة بالطرق التقليدية.

و تسعى هذه المقاربة الجديدة إلى تحقيق جملة من الأهداف، في مقدمتها تعزيز أمن الفضاء العام و الحد من جرائم الشوارع، و تحسين تدبير السير و الجولان داخل المدن، و تمكين الأجهزة الأمنية من أدوات رقمية دقيقة تساعدها على التدخل الفوري عند وقوع أي حادث أو تهديد. كما ترمي إلى تأمين الفضاءات الرياضية و السياحية و التجارية قبيل احتضان المملكة لفعاليات كروية قارية كبرى، ما ينعكس إيجابا على صورة المغرب دوليا و على ثقة المواطنين في قدرات أجهزة الأمن.

و تحمل هذه الخطوة أيضا بعدا حضريا و تنمويا، إذ يندرج المشروع ضمن رؤية أوسع لجعل المدن المغربية أكثر ذكاء، من خلال تطوير بنياتها التحتية الرقمية، و تسهيل التنقل، و تحسين جودة الحياة، و ضمان الشعور بالأمان في مختلف الأوقات و الأماكن.

و رغم الإشادة الواسعة بهذا التوجه، يبدي بعض المتتبعين مخاوف تتعلق بخصوصية الأفراد و ضرورة توفير إطار قانوني واضح يضمن عدم إساءة استخدام البيانات أو التوسع في جمعها دون مبرر. غير أن فاعلين آخرين يرون أن الفوائد الأمنية و الاجتماعية لهذه الشبكات تفوق بكثير هذه التخوفات، خاصة مع ارتفاع مطالب المواطنين بتعزيز الأمن في الشوارع و الأحياء.

و بين النقاشات و التحديات، يظل الثابت أن المغرب قد خطا خطوة كبيرة نحو اعتماد أنظمة مراقبة متطورة تواكب المعايير الدولية في مجال الأمن الحضري، و أن هذه المبادرة مرشحة لإحداث تأثير ملموس على مستوى الأمان داخل الحواضر الكبرى، سواء قبل “الكان” أو بعده، في اتجاه مدن أكثر أمنا و تنظيما و انسجاما مع التطور التكنولوجي العالمي.