بوشعيب هارة
مع حلول شهر رمضان من كل عام، تشهد الأسواق المغربية انتعاشًا ملحوظًا وعرضًا متنوعًا ووفيرًا مقارنة بالطلب. تنشط الأسر المغربية في الشراء والتحضير لهذا الشهر، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار بعض المواد الاستهلاكية، لا سيما تلك التي يزداد الإقبال عليها، مثل الأسماك، والخضر، والفواكه. هذا الارتفاع يشكل ضغطًا على القدرة الشرائية للمواطنين، رغم أن الشهر الفضيل يُفترض أن يكون فرصة للاعتدال في الأكل والشرب، مقابل استثمار أيامه ولياليه في الجوانب الروحانية.
يرتبط ارتفاع أسعار المواد الغذائية خلال رمضان بعوامل عدة، من أبرزها التسابق على الشراء وتخزين السلع، إلى جانب العادات والتقاليد التي تميز هذا الشهر، مثل إعداد وجبات الإفطار والسحور الغنية، وحشد الولائم، ودعوة الأهل والأصدقاء. يضاف إلى ذلك عوامل اقتصادية أخرى، مثل زيادة الطلب، المضاربة، ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، والتغيرات المناخية، مما يستدعي البحث عن حلول فعالة لضبط الأسعار والتخفيف من وطأة الغلاء على الأسر المغربية.
هذا العام، لوحظ ارتفاع ملموس في أسعار الأسماك، التي تعد عنصرًا أساسيًا في مائدة الإفطار المغربي، بسبب قلة العرض وزيادة الطلب، لا سيما على السردين، الذي تجاوز سعره 20 درهمًا للكيلوغرام، وفي بعض المناطق بلغ 30 درهمًا. وقد أكد بعض المواطنين أن أسعار الأسماك ارتفعت بأكثر من 50% مقارنة بالأيام العادية، مستنكرين ما وصفوه بالاستغلال، رغم امتلاك المغرب لواجهتين بحريتين. في المقابل، شهدت أسعار اللحوم الحمراء بعض الانخفاض بعد ارتفاعها لعدة أشهر، بينما حافظت أسعار الدجاج على استقرارها.
لم يكن سوق الخضر والفواكه بمنأى عن موجة الزيادات الرمضانية، حيث استقرت أسعار معظم الخضروات باستثناء الطماطم، التي اعتاد المواطن المغربي على ارتفاع سعرها في هذا الشهر. أما الفواكه، فقد شهدت ارتفاعًا عامًا، خاصة الموسمية منها، إلى جانب التفاح، والموز، والبرتقال، التي تُعد من بين الفواكه الأكثر استهلاكًا خلال رمضان.
رغم تكرار ظاهرة ارتفاع الأسعار سنويًا، لم تتمكن الحكومة من التصدي لها بفعالية، بل إنها بدورها تشتكي من الغلاء، مما يعكس ضعف آليات مراقبة الأسواق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. وفي ظل غياب رقابة صارمة، يستغل بعض التجار والمضاربين الظرف لرفع الأسعار بشكل غير مبرر.
حسب بعض المعطيات، يساهم المستهلك نفسه في ارتفاع الأسعار، بسبب الإقبال الكبير على بعض المواد وكأنها ستنعدم من الأسواق، مما يشجع التجار على رفع الأسعار. من جهة أخرى، يبرر بعض البائعين الزيادات بارتفاع الطلب مقارنة بالعرض، حيث أدى تهافت المواطنين على الشراء إلى ندرة بعض المنتجات، فارتفعت أسعارها تلقائيًا. كما لعبت التقلبات المناخية، بما في ذلك موجة البرد الأخيرة، دورًا في تضرر الأشجار المثمرة، مما أثر على إنتاج الفواكه.
القاعدة الأساسية في الأسواق هي العرض والطلب، وكلما زاد الطلب، قلّ العرض وارتفعت الأسعار، خصوصًا في ظل قانون حرية الأسعار والمنافسة، الذي لم يحدد سقفًا معينًا للربح. لذلك، تتطلب مواجهة ارتفاع الأسعار إجراءات صارمة، تشمل:
تعزيز الرقابة على الأسواق لمنع الاحتكار والمضاربة غير المشروعة، مع فرض عقوبات على المخالفين.
اعتماد إجراءات استباقية مثل تخزين كميات كافية من المواد الأساسية وضبط السوق قبل فترة الذروة.
تشجيع الإنتاج المحلي ودعم الفلاحين الصغار، لضمان وفرة المنتجات بأسعار مناسبة.
تشير أرقام المندوبية السامية للتخطيط إلى أن المغاربة ينفقون أكثر من ثلث دخلهم خلال رمضان على الطعام، وهو رقم مرتفع بالنظر إلى أن الشهر الفضيل يفترض أن يشهد انخفاضًا في الاستهلاك، وبالتالي في الأسعار. ومع ذلك، فإن السلوك الاستهلاكي المفرط يساهم في تضخيم الأزمة.
رغم أن الحكومة تتحمل مسؤولية مراقبة الأسواق وحمايتها من المضاربة والاحتكار، فإن المواطن مطالب أيضًا بالاستهلاك بوعي، من خلال شراء ما يحتاجه فقط، لتجنب زيادة الطلب غير المبررة، والحد من هدر المواد الغذائية، الذي يرتفع إلى مستويات قياسية خلال رمضان.
لمواجهة ارتفاع أسعار المواد الغذائية خلال رمضان، يجب تضافر جهود الحكومة، التجار، والمستهلكين، من خلال تعزيز الرقابة، تشجيع الاستهلاك الواعي، ودعم الإنتاج المحلي. هذا من شأنه التخفيف من وطأة الأزمة، وضمان استقرار الأسعار، وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، ليكون شهر رمضان مناسبة تمر في ظروف مريحة للجميع.
