– مصطفى سيتل
في زمن العولمة، لم تعد الثقافة مفهومًا بسيطًا أو حكرًا على فئة اجتماعية بعينها، بل تحولت إلى فسيفساء معقدة تجمع بين التنوع والانفتاح. ولم يعد الفكر، الذي لطالما احتل مقامًا رفيعًا يصعب الوصول إليه إلا على أيدي الفلاسفة، حبيس نخب معينة، بل تسلل إلى فضاءات الإبداع الأدبي ليصبح الرواية، كما الشعر والأدب الشعبي، مرآة تعكس الأفكار والقيم والتصورات. لقد وجد المفكرون العرب في الرواية ملاذًا للتعبير عن أفكارهم، بعدما عجزت هذه الأفكار عن الوصول إلى القارئ في صورتها التجريدية، مما يبرز الترابط الوثيق بين الثقافة والفكر وتأثيرهما المتبادل.
والثقافة، في جوهرها، ليست مجرد وسيلة ترفيهية أو مظهرًا احتفاليًا، بل هي أداة وغاية لتحقيق التنمية والرقي الفكري والاقتصادي للمجتمع. ولعل نقطة الانطلاق لتحقيق هذا التحول تكمن في المدرسة، باعتبار التعليم الحاضن الأساسي لتشكيل الوعي وترسيخ السلوكيات البناءة. فالتعليم الذي يجمع بين المعرفة العلمية والتجريبية، والتكنولوجيا، والفنون المتنوعة، يحمل القدرة على التأثير في تمثلات الأفراد وأفكارهم بأسلوب سلس وعميق.
إلى جانب ذلك، يبرز دور المؤسسات الثقافية، مثل دور النشر ودور الشباب، في تحريك عجلة النهضة الفنية والفكرية. فبدلًا من اجترار الماضي، ينبغي لهذه المؤسسات أن تسهم في بلورة رؤى جديدة تسعى إلى الإبداع وترسيخ ثقافة حديثة تواكب احتياجات العصر.
ومع ذلك، فإن تحقيق هذا الطموح يتطلب أكثر من مجرد مبادرات فردية. ينبغي على أصحاب القرار الإنصات لصوت المثقف ووضع برامج ثقافية وفنية ذات أبعاد نهضوية، تدفع بالمجتمع نحو تطوير فكرٍ يرتكز على التجديد، ويُرسخ أسس التنمية الشاملة، حيث تلتقي الثقافة والفكر لصياغة مستقبل أكثر إشراقًا.
