حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

 

متابعة_ديسبريس-

وجه صاحب الجلالة الملك “محمد السادس” نصره الله، مرفوقا بولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير “مولاي الحسن”، و بصاحب السمو الملكي الأمير “مولاي رشيد”، اليوم الجمعة بالرباط، خطابا ساميا إلى أعضاء البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة، من الولاية التشريعية الحادية عشرة .

و في ما يلي نص الخطاب الملكي السامي :

” الحمد لله و الصلاة و السلام على مولانا رسول الله و آله و صحبه.
حضرات السيدات و السادة البرلمانيين المحترمين،

شاءت إرادة الله تعالى أن يضرب الزلزال المفجع بلادنا، مخلفا آلاف الشهداء، و العديد من الجرحى، شفاهم الله.

و قد كان المصاب عظيما، و الألم شديدا، و مسنا جميعا، ملكا و شعبا، من طنجة إلى الكويرة، و من شرق البلاد إلى غربها.

قال تعالى : “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا”. صدق الله العظيم.

و إننا ندعوه عز وجل أن يثبت أرضه، رحمة بعباده الضعفاء و المساكين، فهو أرحم الراحمين.

و إذا كان الزلزال يخلف الدمار، فإن إرادتنا هي البناء و إعادة الإعمار، لذا نشدد على ضرورة مواصلة تقديم المساعدة للأسر المنكوبة، و الإسراع بتأهيل و إعادة بناء المناطق المتضررة، و توفير الخدمات الأساسية.

و رغم هول الفاجعة، فإن ما يخفف من مشاعر الألم، و يبعث على الاعتزاز، ما أبانت عنه فعاليات المجتمع المدني و عموم المغاربة، داخل الوطن و خارجه، من مظاهر التكافل الصادق، و التضامن التلقائي، مع إخوانهم المنكوبين.

كما نعبر عن إشادتنا بالتضحيات، التي قدمتها القوات المسلحة الملكية، و مختلف القوات الأمنية، و القطاعات الحكومية، و الإدارة الترابية، لإنقاذ و مساعدة سكان المناطق المتضررة.

و لا يفوتنا أن نجدد عبارات الشكر، للدول الشقيقة و الصديقة، التي عبرت عن تضامنها مع الشعب المغربي، و وقفت إلى جانبنا في هذا الظرف الأليم.

حضرات السيدات و السادة،

لقد أظهرت الفاجعة انتصار القيم المغربية الأصيلة، التي مكنت بلادنا من تجاوز المحن و الأزمات، و التي تجعلنا دائما أكثر قوة و عزما، على مواصلة مسارنا، بكل ثقة و تفاؤل.

تلك هي الروح و القيم النبيلة، التي تسري في عروقنا جميعا، و التي نعتبرها الركيزة الأساسية، لوحدة و تماسك المجتمع المغربي.

و هي قيم وطنية جامعة، كرسها دستور المملكة، و تشمل كل مكونات الهوية المغربية الأصيلة، في انفتاح و انسجام مع القيم الكونية.

و أخص بالذكر هنا، القيم المؤسسة للهوية الوطنية الموحدة:

– أولا: القيم الدينية و الروحية: وفي مقدمتها قيم الإسلام السني المالكي، القائم على إمارة المؤمنين، الذي يدعو إلى الوسطية و الاعتدال، و الانفتاح على الآخر، و التسامح و التعايش مع مختلف الديانات و الحضارات. و هو ما يجعل المغرب نموذجا في العيش المشترك، بين المغاربة، المسلمين و اليهود، و في احترام الديانات و الثقافات الأخرى.

– ثانيا: القيم الوطنية التي أسست للأمة المغربية، و القائمة على الملكية، التي تحظى بإجماع المغاربة، و التي وحدت بين مكونات الشعب المغربي، و عمادها التلاحم القوي و البيعة المتبادلة، بين العرش و الشعب.

كما يعد حب الوطن، و الإجماع حول الوحدة الوطنية و الترابية، من ثوابت المغرب العريقة، التي توحد المغاربة، و التي تشكل الإطار الذي يجمع كل روافد الهوية الوطنية الموحدة، الغنية بتنوعها.

– ثالثا قيم التضامن و التماسك الاجتماعي، بين الفئات و الأجيال و الجهات، التي جعلت المجتمع المغربي كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضا.

و إننا ندعو إلى مواصلة التشبث بهذه القيم، اعتبارا لدورها في ترسيخ الوحدة الوطنية، و التماسك العائلي، و تحصين الكرامة الإنسانية، و تعزيز العدالة الاجتماعية، خاصة في ظل ما يعرفه اليوم، من تحولات عميقة و متسارعة، أدت إلى تراجع ملحوظ في منظومة القيم و المرجعيات، و التخلي عنها أحيانا.

حضرات السيدات و السادة،

في إطار هذه القيم الوطنية، التي تقدس الأسرة و الروابط العائلية، تندرج الرسالة التي وجهناها إلى رئيس الحكومة، بخصوص مراجعة مدونة الأسرة.

إن الأسرة هي الخلية الأساسية للمجتمع، حسب الدستور، لذا نحرص على توفير أسباب تماسكها.

فالمجتمع لن يكون صالحا، إلا بصلاحها توازنها. و إذا تفككت الأسرة يفقد المجتمع البوصلة.

لذا، ما فتئنا نعمل على تحصينها بالمشاريع و الإصلاحات الكبرى، و من بينها ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي نعتبره دعامة أساسية، لنموذجنا الاجتماعي و التنموي.

وسنشرع، بعون الله و توفيقه، في نهاية هذه السنة، في تفعيل برنامج الدعم الاجتماعي المباشر.

وتجسيدا لقيم التضامن الاجتماعي، الراسخة عند المغاربة، فقد قررنا ألا يقتصر هذا البرنامج، على التعويضات العائلية فقط؛ بل حرصنا على أن يشمل أيضا بعض الفئات الاجتماعية، التي تحتاج إلى المساعدة.

و يهم هذا الدعم الأطفال في سن التمدرس، و الأطفال في وضعية إعاقة، و الأطفال حديثي الولادة، إضافة إلى الأسر الفقيرة و الهشة، بدون أطفال في سن التمدرس، خاصة منها التي تعيل أفرادا مسنين.

وبفضل أثره المباشر، سيساهم هذا البرنامج، في الرفع من المستوى المعيشي للعائلات المستهدفة، و في محاربة الفقر و الهشاشة، و تحسين مؤشرات التنمية الاجتماعية و البشرية. فالمجتمع يكون أكثر إنتاجا و أكثر مبادرة، عندما يكون أكثر تضامنا، و أكثر تحصينا أمام الطوارئ و التقلبات الظرفية.

و قد وجهنا الحكومة لتنزيل هذا البرنامج، وفق تصور شامل، و في إطار مبادئ القانون – الإطار المتعلق بالحماية الاجتماعية، الذي صادق عليه البرلمان.

و يجب أن يتم تفعيله بطريقة تدريجية، تراعي تطور الاعتمادات المالية المرصودة، و تحدد المستوى الأمثل للتغطية، و مبالغ التحويلات المالية و كيفيات تدبيرها، كما ينبغي أن يشكل نموذجا ناجحا في تنزيله، على أساس نظام الاستهداف الخاص بالـسجل الاجتماعي الموحد، و أن يستفيد من الفعالية التي توفرها التكنولوجيات الحديثة.

و في هذا الإطار، نؤكد على ضرورة احترام مبادئ التضامن و الشفافية و الإنصاف، و منح الدعم لمن يستحقه.

و ندعو الحكومة، للعمل على إعطاء الأسبقية، لعقلنة و نجاعة برامج الدعم الاجتماعي الموجودة حاليا، و تأمين استدامة وسائل التمويل، كما نؤكد على ضرورة اعتماد حكامة جيدة لهذا المشروع، في كل أبعاده، و أن يتم وضع آلية خاصة للتتبع و التقييم، بما يضمن له أسباب التطور و التقويم المستمر.

و لا يخفى عليكم ، حضرات السيدات و السادة، دور البرلمان، في إشاعة و تجسيد هذه القيم العريقة، و تنزيل المشاريع و الإصلاحات الكبرى، و مواصلة التعبئة و اليقظة، للدفاع عن قضايا الوطن و مصالحه العليا.

و خير الختام قوله تعالى : “و قالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفور شكور “. صدق العظيم.

و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته”.