كبرنا وتغيّرنا و مازلنا نشتاق لطفولتنا

كبرنا وتغيّرنا و مازلنا نشتاق لطفولتنا

حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

بوشعيب هارة 

مع تسارع الحياة وفي ظل عالم امتلأ تعقيدا يكون الحنين لحياة البساطة التي عشناها سابقا. كثيرا مانشتاق لها لعدم وجود التكلف في الحياة ودون نفاق أو مجاملات وكل حسب إمكانياته.

إن الحديث عن تلك المرحلة والتي ما زلنا نتحدث عنها وكأنها حدثت بالأمس هي مشاعر مختزلة لسنين طويلة تظهر بين حين وآخر، لقد كانت الأغلبية تعيش في بيت عادي عدد غرفه قليلة و تجد مجموعة من الإخوة في غرفة واحدة ومع ذلك كنا سعداء، وتكتمل السعادة قبل النوم عندما تبدأ الحروب بحدف المخدات على بعضنا البعض، وأيضا كان للعم أو الخال السمع والطاعة عند غياب الأب وكانت كلمتهما مسموعة وكان لديهما تفويض بعمل ما يرونه مناسبا لتصليح الوضع دون أخذ إذن الرجوع للأب، ومع ذلك لم نخرج عن طوعهما ولم نكن نعترض.

في طفولتنا، ضحكنا من أعماق قلوبنا و بكينا بسرعة ثم نسينا، كنا ننام بدون هموم و نستيقظ بدون قلق، نعيش يومنا كما هو لا نفكر بالغد، و لا نحمل أعباء العمر، لم نكن نملك الكثير لكن كنا نمتلك قلوبا تعرف الفرح في أبسط الأشياء.

مرت الأيام والسنين وكبرنا وكبرت أحلامنا وأمانينا معنا، لكن مهما كبرنا لايزال ذاك الطفل يسكن بداخلنا، كبرنا و لم نكبر حقا فقط تغيرت الوجوه و تراكمت المسؤوليات، أدركنا متأخرين أن أجمل الأيام هي التي لم نعرف قيمتها حين كانت بين أيدينا، كبرنا لكن مازلنا نشتاق لطفولتنا حين كنا نضحك بلا سبب و نفرح بلا مقابل.

كبرنا وتغيّرنا…تغيّرت اهتماماتنا و نظرتنا للحياة ، كبرنا لدرجة أصبحنا نخاف على أهلنا بدلًا من أن نخاف منهم ، نسكت ولا نجادل مع إدراكنا الكامل بأنّنا على حق ، نضحك وفي قلوبنا بحر من الأحزان، نعتمد على أنفسنا ولا نطلب المساعدة من أحد، كبرنا وميّزنا بين الحقّ والباطل.

كبرنا وتعلّمنا…أنّ المظاهر خدّاعة وليس كل ما يلمع ذهب ، وحبل الكذب قصير، تعلّمنا أن نبكي بمفردنا ونسجّل شكوانا على أوراقنا ونحتفظ بها لأنفسنا، لم نعد نتأثّر بالخيبات. تموت ضحكات و تولد أخرى ، يرحل أشخاص و يأتي آخرون .

كبرنا و تعلّمنا أنّ الصّبر مفتاح الفرج والحزن سيعقبه فرح، وأدركنا بأنّ المواقف تظهر لنا حقيقة الآخرين ، قلّت أحلامنا ، وازدادت مسؤولياتنا اتجاه أنفسنا ودفعنا ثمن أخطائنا .

كبرنا وعرفنا  أن ليس كل من نحبه يحبنا

وليس كل من يبتسم لنا هو صديقنا

وليس كل من يبكينا يريد أن يؤذينا…

كبرنا وياليتنا لم نكبر وياليتنا لم نعلم شيء

ليتنا نعود كما كنا ببراءة الأطفال، فكلّما كبرنا اكتشفنا أنّ الحياة دروس والدّنيا تجارب والبشر تلاميذ داخل مدرستها .

كبرنا لكن نحتاج دوما لأن يمسح شخص ما على رؤوسنا لنحس أن هناك من يحمينا ويشعر بنا وبتواجدنا، أجل نضجنا لكن نحتاج دوما إلى من يمسح دموعنا بمنديله لندرك حينها أننا محل اهتمامه وأنه يفكر فينا وعندها تزول همومنا ولو قليلا، نحتاج دوما ونشتاق إلى تلك البراءة والعفوية التي كنا عليها، نحتاج إلى أن نبتسم ونضحك ونحن فعلا نشعر بالسعادة، نحتاج إلى صديق نرى فيه ملامح طفولتنا من صدق وحب صافي، كبرنا وكبرت معنا أشياء كثيرة لكن دائما يبقى الحنين يشدنا إلى ما مضى، ومهما كبرنا لن يموت ذلك الطفل بداخلنا.

ليتنا لم نكبر أبداً، انهكتنا الحياة بما يكفي، وضاعت منا براءتنا.. وأصبحنا غرباء حتى عن أنفسنا، ليتنا نعود للوراء قليلاً لنعيش كما أردنا..ليتنا ما أضعنا حياتنا فيما لا يستحق…

إن الماضي الجميل على بساطته كان رائعا بكل المقاييس وهو بالتأكيد لن يعود، ولكن الذكريات ستبقى إلى أن يحين الأجل فهي تعيش في القلب والذاكرة ممزوجة بالمشاعر لهذا فهي لا تنسى…!!!