
الدار البيضاء : في قلب حي سيدي عثمان المزدحم، يتنفس الاقتصاد الغذائي للعاصمة الاقتصادية وللمغرب ككل، فمن هذا المرفق، الذي يمتد على مساحة 34 هكتاراً، يمر سنويا ما يناهز 1.7 مليون طن من الخضر والفواكه، موازاةً مع تحصيل مداخيل قياسية تجاوزت 187 مليون درهم، غير أن هذه الأرقام البراقة تخفي وراءها اختلالات هيكلية تجعل من سوق الجملة للدار البيضاء نموذجاً صارخاً لتعقّد سلاسل التوزيع وتضخم الأسعار قبل وصولها إلى قفة المواطن.
سلسلة الوساطة: كيف يتضاعف الثمن؟
أجمع مهنيون واقتصاديون على أن المشكل المحوري لا يكمن في وفرة العرض، بل في المسار المعقد الذي تقطعه الخضر والفواكه من الضيعة إلى المستهلك. وتتعدد أيدي الوسطاء، أو ما يُعرف بـ«الشناقة»، داخل المرفق وخارجه، حيث تنتقل الشحنة الواحدة بين عدة تجار ووسطاء قبل عرضها للبيع النهائي.
ويُضاف إلى ذلك الاقتطاع القانوني المحدد في 7% من قيمة المبيعات، والموزع بين الجماعة ومربعي الجملة، وهو ما يعتبره التجار عبئاً إضافياً يساهم في ارتفاع أسعار المواد الأساسية، خاصة في أوقات الذروة وتقلبات المناخ.
الرقمنة والأمن.. خطوات في طريق العصرنة
في المقابل، شهد التدبير الفعلي للمرفق، تحت إشراف شركة التنمية المحلية «الدار البيضاء للخدمات»، تحولات ملموسة : إذ جرى إدخال أنظمة رقمية لتتبع حركة الموازين، وإحداث قاعة للمراقبة مزودة بالكاميرات على مدار الساعة، بهدف الحد من الفوضى وتعزيز المراقبة، فضلاً عن تنظيم حركة دخول أزيد من 244 ألف شاحنة سنوياً.
إلا أن هذه الإجراءات، على أهميتها، تظل بمثابة حلول جزئية أمام معضلة انتشار القطاع غير المهيكل والأسواق العشوائية المحاذية، التي تتغذى على ثغرات النظام الحالي.
المنصة اللوجستيكية الجديدة: هل تفك عقدة سيدي عثمان؟
مع اتساع النسيج العمراني واختناق المحاور الطرقية المحيطة بسيدي عثمان، تتجه الأنظار نحو المخطط الاستراتيجي الرامي إلى نقل المرفق خارج المدينة. ويهدف مشروع إحداث «القطب اللوجستيكي المدمج» بسيدي حجاج إلى تجميع أسواق الجملة للخضر والفواكه والسمك والمواشي في منصة عصرية واحدة، متصلة مباشرة بالطرق السيارة.
ويبقى الرهان الحقيقي للمشروع الجديد مشروطاً بإعادة هيكلة المنظومة القانونية والتجارية، وفرض الشفافية في تداول الأسعار، وتشطيب حلقات الوساطة غير المشروعة، حتى لا تقتصر العملية على نقل البنية التحتية، بل تترافق مع إصلاح شامل يحمي القدرة الشرائية للمواطنين ويضمن عدالة السعر للمنتج والمزارع.



